الرئيسية
مواقع مهمة
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
 
   
 

السبت 6 آذار/ مارس 1999


في ديوان سمو رئيس الوزراء، كانت بدايات هذا اليوم، عادية إلى حد ما.. وهو كيوم عمل، بدأ مبكرا قليلا.. فقد اعتاد العاملون في الديوان، على التشرف بالسلام على سمو أمير البلاد المفدى، الذي يكرس يومي السبت والاثنين، من كل أسبوع لتمضية بعض الوقت، في ديوان سمو رئيس الوزراء، يصرف خلاله شئون البلاد، ويلتقي بالوزراء، ويزودهم بتوجيهاته السامية، ويستقبل كبار زوار البلاد، من مسؤولي الدول الشقيقة والصديقة.

غير أن ذلك اليوم، وان بدا عاديا، إلا انه كان مختلفا قليلا في بواكيره .. فقد وصل أمير البلاد المفدى، إلى مبنى الديوان مبكرا عن موعده المعتاد، وقبل وصول أخيه، صاحب السمو رئيس الوزراء بحوالي نصف ساعة.

وكعادة سموه، فقد دخل الديوان، مبتسما نشيطا، يعطي الكثير من حنانه، ومشاعر قلبه الكبير، لكل الموظفين والمسؤولين، الذين بدأوا وفور لحظة وصول سموه، يقفون للتشرف بالسلام عليه، فيما كان سموه يبادر بتحية هذا، أو يداعب ذلك، بروح أبوية يملؤها الحنان، والمحبة لأبنائه من البحرينيين، أو من أبناء الدول الشقيقة العاملين في الديوان.

وفي الطريق إلى المكتب، توقف سموه قليلا، ليسأل المذيع المعروف والمسؤول في وزارة شئون مجلس الوزراء والإعلام، عبد الجليل الطريف، مستفسرا عن أحواله وعن شقيقه جراح القلب الشهير الدكتور حبيب الطريف.. ثم وبكل تواضعه الجم، لم ينس سموه، أن يطلب إلى عبد الجليل، نقل تحياته لشقيقه الطبيب .. وكانت تلك عادته مع كل الذين يلقاهم من أبناء البحرين، الذين يعرفهم بأسمائهم وأسماء أفراد عائلاتهم، فقد كان سموه قريبا جدا من المواطنين، ومشاركا لهم في همومهم، وأحزانهم، وأفراحهم.

كان ثمة برنامج يكتظ باللقاءات والمقابلات على أجندة سموه.. ولذلك، فقد بادر سموه وفور وصول سمو رئيس الوزراء، باستقبال السيد ويليام كوهين، وزير الدفاع الأمريكي، الذي كان وصل قبل ساعات قليلة إلى البحرين في إطار جولة شملت عددا من دول المنطقة.

وخلال هذه المقابلة، بدت على سمو أمير البلاد، إمارات التعب والإرهاق، فبادر سمو الشيخ خليفة، وبكل دبلوماسيته المعهودة، وحنانه الشفيف على شقيقه، بادر إلى الاعتذار، للضيف الكبير، مبينا له أن سمو أمير البلاد، كان منذ مساء الأمس يعاني تعبا وإرهاقا، غير أن سموه أصر على أداء واجب الضيافة تجاه ضيف البحرين، وأداء واجبات أخرى، على برنامجه هذا اليوم.

وبعد أن أبدى الوزير كوهين، شكره العميق، لهذه اللفتة الكريمة، من جانب سمو أمير البلاد، استأذن بالانصراف، لئلا يتسبب بالمزيد من الإرهاق لسموه.


وبكل الحنان.. واللهفة، اقترح سمو الشيخ خليفة على شقيقه، إلغاء مقابلاته الأخرى، ... غير أن سمو الشيخ عيسى، أصر على إجراء لقائه مع أعضاء بعثة الحج البحرينية .. وقال لشقيقه خليفة، وكأنما يطمئنه «ستكون المقابلة الأخيرة .. وبعدها سوف أستريح.

وفي اللقاء، عبر سمو أمير البلاد، عن عواطفه الأبوية تجاه أعضاء البعثة، وجميع الحجيج البحرينيين، موصيا البعثة بضرورة العمل على توفير الراحلة لكل الحجاج البحرينيين، ومبديا توجيهاته بتقديم كل ما يتطلبه ذلك من تسهيلات. ولتسمح لي، روح سموه الطاهرة، هنا أن أشير إلى أمر كان يحرص على إبقائه لنفسه .. وهو أن مخصصات بعثات الحج، وعلى مدى سنوات طويلة، كانت تدفع من مال سموه الخاص.

كان الشعور بالألم، يتزايد .. على جسد وأعصاب سموه ولكنه كان يخفي ذلك، لإبقاء أبنائه أعضاء البعثة، بروح معنوية عالية .. غير أن ما خفي عن أعضاء البعثة، وبقية الحضور، لم يكن خافيا على سمو الشيخ خليفة، الذي بدأ يعاني قلقا شديدا على شقيقه الحبيب . ومع كلماته "الله يوفقكم " التي رددها ثلاث مرات، كان سموه يؤدي آخر واجباته تجاه أبنائه، مودعا .. وما أن خرج وفد البعثة، حتى سارع سمو الأمير إلى الحمام، في محاولة من سموه لإخفاء بعض آلامه، عن شقيقه، فتبادر إلى سموه، نجلا شقيقه، الشيخ علي بن خليفة، والشيخ سلمان بن خليفة، لمساعدته .. أما الأول فقد رفع البشت من على كتفي عمه الحبيب، مستعدا لمساعدته، في حين وقف الثاني ليفتح باب المكتب الخاص أمام عمه، غير أن قواه خانته هذه المرة، فعاد من الحمام، ليضطجع على الكنبة، بعد أن اتصل بابنه سمو الشيخ علي طالبا منه إحضار طبيب القلب إلى سموه.


اللحظات الأخيرة

 

هنا .. سأستأذنكم، الإدلاء بشهادتي الشخصية، لما حدث في هذا اليوم، إذ كنت احد شهود العيان، الحاضرين في ديوان صاحب السمو رئيس الوزراء، الذي كان يعج، بعدد كبير من الزوار، والمراجعين، إضافة لوفد بعثة الحج، وعدد من ضيوف البلاد .. كان الديوان بيت البحرينيين المفتوحة أبوابه دائما لهم.في صبيحة ذلك اليوم ...


كنت قد وصلت إلى الديوان، لإتمام بعض المراجعات، وكنت من بين الذين حيوا سمو أمير البلاد، لدى وصوله، ثم حييت سمو رئيس الوزراء، وأخذت مكاني بين الجمع الغفير، من الرجال المتواجدين في الديوان، بين مراجع، وزائر، وصديق، وموظف. والحقيقة أن ثمة علاقة من المودة والاحترام، ربطت فيما بيني وبين العاملين في ديوان سمو رئيس الوزراء، منذ شروعي بالإعداد لكتابي الأول خليفة بن سلمان.. رجل وقيام دولة» ومع هؤلاء الأصدقاء، وعدد من المتواجدين، تشعبت الأحاديث، التي خضنا فيها، وتراوحت بين الهم العالمي، والمحلي، وهكذا، كنا نقطع الوقت انتظارا لانتهاء اللقاءات الرسمية على أجندة سمو رئيس الوزراء.

وفيما بعيد الساعة الحادية عشرة، شعرنا أن ثمة أمرا غير عادي، يحدث في الديوان ... فخرج الجميع من المكتب، الذي كنا نجلس فيه، لاستطلاع الأمر، غير أنني لم انجح، بالوصول إلى إجابة للسؤال الحائر، الذي ظللت اطرحه على الجميع، مستفسرا قلقا .. فقد كانت الأبواب تخفي وراءها حدثا جللا، وكانت الحركة التي تغيرت وتيرتها وطبيعتها تؤكد ذلك، إلى جانب الوجوه التي تزداد ملامحها قلقا وارتباكا مع مرور الدقائق.

كان كل من في الديوان، يبدو مشدوها، وغير راغب في الكلام ... وكان يسيطر على الجميع، سؤال لاذع.. وكان السؤال، إلى جانب القلق، يسودان فضاء القاعة .. وكانت ثمة ظنون كثيرة، تستعد للقفز إلى وجداني، غير أنني اقسم، أن ما حدث فعلا من مصاب، لم يكن يخطر على بال شخص تشرف قبل اقل من ساعة، بالسلام على سمو الأمير، وشاهد بأم عينه علائم الحبور والنشاط والتفاؤل على محياه الكريمة.

وتوالت الأحداث بسرعة، .. لتنتهي بالنبأ الحزين، الذي أبكى البحرين كلها... أما في الديوان، حيث كنت شاهدا، فقد سيطرت الصدمة على الجميع، ونظرت حولي، فلم أشاهد سوى باك، أو مشدوه، لا يحير حركة .. أما أنا، فأصابتني حالة من الصدمة، شبيهة بالشلل، إذ رغم محاولاتي الحثيثة، لم تقو قدماي على حملي، ولم استطع الوقوف لدقائق عدة، بدت وكأنها دهر كامل من الأسى واللوعة.

بدأت نوبة الإعياء الشديد، تظهر بوضوح على وجه وأداء سمو أمير البلاد، وفجأة، وضع سموه يديه على صدره، فيما كان جبينه الناصع يتصبب عرقا، وفيما بادر سمو رئيس الوزراء، لاحتضان شقيقه الغالي، ومساندته .. كما فعل طيلة حياته، كان يأمر الدكتور عبد اللطيف الرميحي رئيس ديوان سموه، باستدعاء الأطباء .. وتابع سموه، محاولات تخفيف آلام شقيقه، ورفع معنوياته، بانتظار وصول الأطباء، .. ومن حول سموه، كان يلتف كل من سمو الشيخ علي بن خليفة آل خليفة وزير المواصلات، والشيخ محمد بن خليفة آل خليفة وزير الداخلية، والشيخ خالد بن عبد الله آل خليفة وزير الإسكان والبلديات والبيئة، وسمو الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة.

وعلى الفور، تم إبلاغ صاحب السمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، وأنجال سمو أمير البلاد، أصحاب السمو: الشيخ محمد بن عيسى آل خليفة رئيس الحرس الوطني، وسمو الشيخ علي بن عيسى آل خليفة وزير شؤون الديوان الأميري، الذين توجهوا من فورهم إلى مبنى ديوان رئيس الوزراء، بالمنامة.. وقد جاء برفقة سمو الشيخ علي بن عيسى، طبيب القلب الخاص بسمو أمير البلاد.

كما تم إبلاغ الأمر الأستاذ محمد المطوع وزير شؤون مجلس الوزراء والإعلام، الذي كان غادر مكتبه لحضور فعاليات معرض ومؤتمر الشرق الأوسط للاتصالات «ميكوم» ومعرض الخليج للإذاعة والتلفزيون، وسوق الإنتاج ألبرامجي لمهرجان الخليج السادس للإنتاج التلفزيوني . وكانت هذه الفعاليات تقام تحت رعاية صاحب السمو رئيس الوزراء.

كان الديوان، تحول إلى ساحة حركة غير عادية، فثمة سيارات تحضر مسرعة، وثمة أخرى تغادر بسرعة، وثمة أطباء يدخلون ويخرجون، وعربات إسعاف تسرع باتجاه المبنى الذي بدأ اتساعه يكتظ بالحضور .. فيما كانت أجواء القلق، ثم الصدمة تسيطر على الجميع.أما خلف الأبواب المغلقة، فكانت تجري ثمة مشاعر فياضة من الحب العميق، المتبادل بين الشقيقين .. ومن خلال ما اجمع عليه الرواة، الشهود.. فقد كان سمو الشيخ عيسى، يحاول التماسك جاهدا، ليطمئن هذه القلوب الواجفة من حوله، أما سمو الشيخ خليفة توأم روح شقيقه، فكان يبدي تماسكا، ورباطة جأش ما لبثت أن تخلت عن سموه، الذي اكتسى محياه بالجلال والقلق، وهو يرى علامات الإرهاق الشديد، تقترب شيئا فشيئا من ملامح أخيه الذي استقبلها بإيمان وثقة بالله، قائلا لشقيقه «أخي.. أرجوك، أن مت فادفنوني اليوم»!! أما الشيخ خليفة، فقد كان يردد «بعيد الشر .. الأطباء قادمون

كنا، نحن الحاضرون في الديوان، نواسي النفس بوعكة صحية، ربما تكون أصابت حبيب القلوب .. وكنا نشغل أنفسنا، بالدعاء إلى الله، عز وجل أن يخفف عن حبيب البحرينيين كافة .. وكنا نتبادل السؤال ... ونبادر برفع معنويات بعضنا، عندما خرج الأستاذ محمد المطوع، والدكتور فيصل الموسوي وزير الصحة، والدموع تنهمر من عيونهم، وعلامات الصدمة بادية بوضوح عليهما.كانت الروح الزكية، قد صعدت إلى بارئها، تردد بجلال وخشوع «يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية وادخلي في عبادي وادخلي جنتي.


في تلك اللحظات، لجت أركان الديوان، بشهيق الرجال، وبكائهم.. فقد أيقن الجميع أن الأب الحاني، والأمير والقائد الفذ، قد غادر هذه الدنيا للقاء وجه ربه الكريم، وبقلوب تملؤها اللوعة، وعيون تفيض بالدمع .. شاهد بعض الحضور، جسد سمو الأب الحاني، وهو مسجى على نقالة، ومغطى بالبشت، ... شاهدوه، وهو ينزل محمولا على أكتاف الرجال، في نفس المصعد الذي استقله سموه قبل ذلك بحوالي ساعتين، وهو يفيض بالحيوية والبشرى والنشاط ... وكان الجميع يرددون قول: لا حول ولا قوة إلا بالله مع سمو رئيس الوزراء، الذي استقل المصعد الثاني، محاطا بأصحاب السمو الأنجال، سواء أنجال الراحل الكبير، أو أنجال سمو الشيخ خليفة، والدموع تنهمر من عيونهم، لفقدان الأب والعم، والقائد.

ولعلي، من موقفي، ورغم هول المصيبة... لعلي أمعنت النظر مشدوها، إلى سمو الشيخ علي بن خليفة، فقد كان ذاهلا عما حوله، لهذه الصدمة القاسية، وكما أدمى قلبه، فراق العمل الحبيب، فانه هو أيضا، أدمى قلوب الذين رأوا تأثير الصدمة عليه.

كان سمو الشيخ علي بن خليفة آل خليفة، قريبا جدا إلى قلب سمو الراحل الكبير، وعقله ووجدانه . وكان سمو الشيخ عيسى رحمه الله، يحرص على إحاطة ابن شقيقه برعاية خاصة، ومحبة عظيمة، فكان سموه رحمه الله، يعامله تماما كما يعامل أبناءه .. وهو وان كان يعامل كل بحريني كما يعامل أبناءه، إلا انه كان طيب اله ثراه يمنح ابن شقيقه عليا، محبة خاصة .. كانت واضحة للجميع.

وقفة رجل..

الأمر جلل..

والفاجعة عظيمة..

والبحرين، وان كانت خسرت الكثير، بفقد عميدها، وشيخها، وأميرها، إلا أن عناية المولى تشاء لها، أن تستقبل الفاجعة، بالإيمان ... وعناية الله، قدرت لهذا البلد رجالا، يكتمون أحزانهم، وآلامهم، عندما تدعوهم البحرين، فيبادرون إلى تلبية النداء، وهم أكثر عزيمة، على استكمال المسيرة.وهكذا، ورغم ما يملأ نفسه، من لوعة وحزن، فقد كان سمو الشيخ خليفة بن سلمان، يدرك أن الواجب أولى بالمبادرة من الحزن ... وان العين لتدمع، وان القلب ليحزن، ولكن البحرين، كانت تحتاج موقفا . وعلى الفور، أصدر سمو الشيخ خليفة، توجيهاته بترتيب انعقاد جلسة استثنائية لمجلس الوزراء.

كان ثمة قرارات مصيرية، ستصدر عن هذه الجلسة، وكان على المجلس أن ينعقد، ولأول مرة، مجللا بالحزن، وبرئاسة سمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، وحضور سمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، كان لا بد من إعلان رسمي للعالم، الذي عرف سمو الراحل الكبير، زعيما، وأميرا، ظل وعلى مدى سنوات عمره يسعى لخير بلاده، وخير العالم اجمع، وكان على صاحب السمو الشيخ حمد بن عيسى، أن يخاطب الشعب البحريني والعالم بما ليس منه بد.


في وقفة رجولة .. ووطنية.ولكنها الوقفة، التي تمنى سموه، بالتأكيد لو لم تحدث .. ولكنه، وهو المؤمن، الراضي بقضاء الله وقدره، والرجل الوعد للبحرين، تحامل على أحزان قلبه، وبصوت متماسك حزين، وروح خاشعة، بدأ سموه ينعى للبحرين والعالم فقيد الوطن والأمة »بقلوب مطمئنة بقضاء الله وقدره، ننعى اليوم والدنا فقيد البحرين، وفقيد الأمة العربية والإسلامية، صاحب السمو المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه وأسبغ عليه واسع رحمته ورضوانه، وبالنظر إلى ما عهد إلينا به والدنا رحمه الله في حياته من ولاية للعهد، فإننا في هذا اليوم نحمل الأمانة لتولي مقاليد الحكم في البحرين، مستمدين العون من الله، وباذلين كل ما في وسعنا لخدمة بلادنا وشعبنا، متبعين في ذلك، النهج الذي سار عليه الراحل الكبير في خدمة دينه ووطنه وشعبه وأمته. ونسأل الله التوفيق والسداد.

وبدأت البيانات تصدر تباعا .. كانت الصدمة، تنتشر شيئا فشيئا، لتعم الدنيا بأسرها .. وكان أول هذه البيانات، البيان الذي صدر عن مجلس الوزراء، ورئيسه سمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة »بسم الله الرحمن الرحيم... ينعى مجلس الوزراء ببالغ الحزن والأسى، والى شعب البحرين الوفي الأمين، والى الأمة العربية والإسلامية قاطبة، والى الدول الصديقة عامة، أميرنا المعظم، ووالدنا البار، ورائد نهضتنا حضرة صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، حيث وافاه الأجل المحتوم في الساعة الثانية عشرة من ظهر اليوم السبت 18 ذي القعدة 1419 هجرية، الموافق 6 مارس 1999 ميلادية، ولا يسع مجلس الوزراء، إزاء هذا المصاب القومي الفادح، إلا التمسك بحبال الصبر والامتثال لسنة الكون ومشيئة خالقه، ضارعا إليه جل شأنه الحي الباقي أن يتغمد أميرنا الراحل بواسع رحمته وغفرانه، وان يسكنه فسيح جناته.

بعد إعلان وفاة سمو أمير البلاد، طيب الله ثراه، رسميا .. كان ثمة خطوات دستورية، لملء الفراغ الدستوري الناتج عن وفاة أمير البلاد . وكما عرف عن سمو الشيخ خليفة بن سلمان، حرصه على التزام الدستور، فقد أبدى سموه، أيضا حرصا شديدا على انتقال السلطة إلى الوريث الشرعي بسلاسة ويسر.. ولعل هذه الميزة أدهشت المراقبين والصحافة العالمية، التي ركزت في معالجاتها الصحفية على هذه الناحية.


وبهذا الخصوص، فقد أصدر مجلس الوزراء، بيانا، هذا نصه

" إعمالا لأحكام الدستور، والمرسوم الأميري رقم 12 لسنة 1973 بنظام توارث الإمارة، والأمر الأميري رقم 4 لسنة 1975، ينادي مجلس الوزراء بخليفة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة وولي عهده، صاحب السمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة أميرا للبلاد، مبتهلا إلى ألعلي العزيز أن يكلأ سموه بعنايته ورعايته، ويحفظه من كل سوء، وان يسدد خطاه ليكون لنا وللأمة العربية والإسلامية جمعاء، خير خلف لخير سلف. انه سميع مجيب. إنا لله وإنا إليه راجعون..."

خليفة بن سلمان آل خليفة .. رئيس الوزراء

 

بهذا، كانت البحرين، تودع باني نهضتها.. بان كرست وريثه الشرعي، أميرا وحاكما.. وبهذا، كانت البحرين، تمنح ولاءها لشيخها الذي قضى متحاملا على آلامه ومعاناته، في سبيل رفعة البحرين، واستقرار شعبها.

وفي مسجد الشيخ عيسى، بالرفاع الغربي، والقريب من قصر الرفاع، كان البحرينيون يحتشدون في باحات المسجد، ومن حوله، حتى ضاق بهم الفضاء. جاؤوا لوداع الأب الذي أحبوه، وبادلهم حبا بحب، وعطاء بعطاء .. جاؤوا جميعا، وكأنما هم على قلب رجل واحد منهم، لأداء صلاة العصر، والصلاة على روح الفقيد الحبيب. وبعد أداء الصلاة على روح الفقيد، والتي تقدم صفوف المصلين فيها صاحب السمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، وصاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، إضافة لكبار أفراد العائلة الحاكمة، ووسط حشود المشيعين، تم نقل الجثمان الطاهر، على متن سيارة إسعاف، إلى مقبرة الرفاع بالحنينية، واد يفصل بين الرفاع الغربي والرفاع الشرقي .. وهناك ووري الجثمان الطاهر، تراب البحرين، الذي كان ضم بين حناياه الحنونة سمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة حاكم البحرين، الذي انتقل إلى جوار ربه يوم 20 شباط/ فبراير عام 1942، واستمرت فترة ولايته من عام 1932 وحتى عام 1942، ومن بعده، ضم الثرى الشريف، جسد سمو الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة حاكم البحرين، الذي بدأت فترة ولايته عام 1942، واستمرت حتى يوم الخميس، الثاني من تشرين ثاني/ نوفمبر عام 1961، حين لبى نداء ربه راضيا مرضيا.

توأم الروح..


لم تطو البحرين، صفحة سمو أميرها الراحل.. وهي لن تفعل ذلك بالتأكيد. فثمة الكثير مما يستحق الدراسة، في أخلاق، وصفات، وأفكار هذا الرجل، الذي بعث نهضة البحرين الحديثة، وكرس لها مكانة مرموقة، بين دول العالم.

يتذكر أبناء البحرين الكثير من الوقفات الرائعة، في سيرة الأمير، الذي جمع إلى حكمة المسؤول، حنان الأب، وعزم القائد، فاستطاع أن يتجاوز بالبحرين، كثيرا من المفارق الصعبة. ثم أن صنو الأمير الراحل، طيب الله ثراه، ما زال قائما بيننا .. ويتابع سيره الأولى، سندا للحاكم، ومشيرا، ومنفذا، وعضدا قويا، لا يرى فيما ينجزه من منجزات، إلا واجبا يبديه بنفس علية تجاه بلده وشعبه وأمته، وتجاه شقيقه وتوأم روحه.

وهنا، موضع لوقفة، مع هذه الحميمية التي ربطت بين الشقيقين: عيسى وخليفة، فأثارت إعجاب الأصدقاء، واعتراف المراقبين وإعجابهم، وشكلت ظاهرة، ليس من السهل العثور عبر التاريخ على شبيهة لها ... ذلك أن هذه الحميمية الشفيفة، لم يتوقف فيضها مع انتقال روح احد التوأمين بالروح إلى باريها، بل استمرت لتسجل أروع أمثلة المحبة المتبادلة والإخلاص بين سمو الشيخ حمد بن عيسى، أمير البلاد المفدى، وعمه سمو الشيخ خليفة، ولعلنا، لن نحتاج في هذا المضمار، لأكثر من عبارات سمو أمير البلاد الجديد، التي قفزت على اعتبارات البروتوكول، وهو يصف سمو الشيخ خليفة بـ«الأب والعم... والوالد»

وكما تحفل سيرة الشقيقين : من الشعر النبطي، يصف سمو الأمير الراحل، شقيقه سمو الشيخ خليفة بـ «عديل الروح».. أما سمو الشيخ خليفة، فيصف شقيقه الراحل بـ«توأم الروح».. وربما تكمن كل المسألة هنا : في الجانب الروحي من العلاقة، وهو الجانب الذي ارتفع بها عن الماديات والأطماع وحب الذات . كما الجانب الذي جعلها علاقة تكاملية، يتمم فيها كل واحد من الشقيقين صفات الآخر، ويسعى كل منهما، ليكون السند والعضد، والمشير لشقيقه، وبما فيه صالح البحرين وخير شعبها.

يقول سمو الأمير الراحل، في القصيدة التي اشرنا إليها سابقا، والتي يوجهها إلى عديل روحه، وشقيق فؤاده، سمو الشيخ خليفة، اثر غيابه في سفر طويل خارج البلاد:

خليفة حليف المرجلة بو محمـــــد
عضيدي وفخري في المهمات وسنـادي
حميد المكارم من سما دوحة العلا
بحزم وعزم واجتهاد واجــــــــــــــــــدادي
كريم يعز الجار والضيــــف الى لفى
سبوق الى كسب المعالي والاسعادي
حوى من جمعيات المكارم أكرمهــا
هو الليث أو كالغيث والوسم إن جــادي
وبكره يصير العيــد والا خـلافـــــــــــه
ولكن شوفته عندنا خير الاعيــــــــــادي
متى يا عديل الروح يأتي بشيــركم
ونفرح برؤياكم ويســــتر الفــــــــــــؤادي



والقصيدة، مليئة كما اشرنا، بالحميمية .. وهي تكشف المدى، الذي وصلت إليه مشاعر التواصل بين الشقيقين .. وإذا كانت تظهر توق وشوق سمو الأمير الراحل، عيسى لرؤية شقيقه الغائب .. فان ثمة حادثة تشير إلى توق مقابل كان يعتمل في وجدان سمو الشيخ خليفة، نحو شقيقه.

كان سمو الشيخ عيسى، قد أنهى فحوصا طبية أجريت لسموه، في الولايات المتحدة الأمريكية .. وفي طريق العودة إلى الوطن، طلب الأطباء من سموه، أن يخلد إلى الراحة، إضافة إلى أن الرحلة من الولايات المتحدة الأمريكية إلى البحرين، متعبة، وقد تؤثر عكسيا على صحة سموه، فقرر اثر ذلك التوقف لبعض الوقت في فرنسا للراحة والاستجمام.

وطبعا كان سمو الشيخ خليفة، على علم مسبق بهذا الترتيب .. فهدته محبته الحنونة تجاه شقيقه الحبيب، إلى ترتيب مفاجأة سعيدة جدا .. لقد قرر سمو الشيخ خليفة، أن يعبر عن شوقه للقيام شقيقه على طريقته الشاعرية . وكانت المفاجأة أن هبط سمو الشيخ عيسى سلم الطائرة في مطار اورلي بباريس، ليجد شقيقه الحبيب خليفة، عند سلم الطائرة، وهو على اشد ما يكون شوقا لعناقه، ولقياه . وبعد ثلاثة أيام أمضاها سمو الشيخ خليفة برفقة شقيقه، عاد إلى ارض الوطن ليتابع مسؤولياته الوطنية.

ولم تكن هذه البادرة، هي الأولى بين الشقيقين، كما لم تكن الوحيدة .. فقبلها، وبالتحديد في عام 1990 كان الأطباء قرروا إجراء عملية قلب جراحية لسمو الشيخ عيسى، ورغم محاولات سموه لإثناء سمو الشيخ خليفة عن عزمه بمرافقته، إلا أن الشيخ خليفة ظل مصرا على رأيه، ورافق شقيقه جانبا وشادا من أزره، ثم لم يتركه، إلا بعد أن تمت العملية بنجاح.

أما سمو الشيخ عيسى رحمه الله، فقد لاحظ مرافقوه وزواره وكل الذين حوله مدى القلق الذي يدورفي داخله عندما تعرض سمو الشيخ خليفة لوعكة صحية ألزمته سرير الشفاء في مستشفى العوالي مدة ثلاثين يوما، وخلال هذه الأيام الثلاثين كان سمو الشيخ عيسى يتخطى كل مقتضيات البروتوكول، فيزور شقيقه كل يوم مرتين أو ثلاث مرات .. ويحرص أثناء زياراته اليومية على الجلوس في غرفة الاستقبال الملحقة بالجناح المخصص لسمو الشيخ خليفة، ويسأل الأطباء والمساعدين، عما إذا كان شقيقه نائما أم مستيقظا . فإذا قيل لسموه أن شقيقه نائم، غادر المستشفى ليعود مرة ثانية، وبعد عدة ساعات!! ولعل كل هذا القلق، الذي سيطر على وجدان سمو الشيخ عيسى رحمه الله آنذاك.. لعله تحول إلى فرح كله وبهجة، اثر شفاء سمو الشيخ خليفة.


ونتعلم من سموه.. بهذا الإرث من المحبة العظيمة..

وبهذه الشفافية العفوية التي حكمت علاقة الشقيقين: عيسى وخليفة، كان سمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، أمير البلاد المفدى، يرسم ملامح الحاضر والمستقبل للعلاقة فيما بين سموه وبين عمه سمو الشيخ خليفة، فمنذ اللحظات الأولى التي تولى فيها سمو الشيخ حمد مقاليد الحكم في البلاد، أبدى ما يكنه وجدانه من تقدير وعرفان للدور الذي أداه ويؤديه سمو الشيخ خليفة في مسيرة العطاء التي قادها سمو الراحل الكبير مساندا من سمو شقيقه الحبيب.

وكما ورث سمو أمير البلاد الجديد الراية والبيعة، فهو ورث أيضا مشاعر المحبة الصافية والقدرة العفوية، للتعبير عن هذه المحبة تجاه رفيق درب والده ومؤازره وسنده . وأضفى عليها طابعه الخاص، ونبل خلقه، فعبر عنها متجاوزا الرسميات.


وفي كلمته الأولى التي افتتح بها عهده، قال سمو الأمير المفدى »سنبقى بإذن الله على هذا النهج الذي رسمه الراحل الكبير، نمد يد المودة والدعم والتعاون، لكل من يريد الخير للبحرين، في الداخل والخارج. كما نصونها وإذ نشيد بهذه الإنجازات التي حققها فقيدنا الكبير، فلا بد أن ننوه امتنانا وعرفانا للحقيقة والتاريخ بالدور الذي قام به معه -يدا بيد - شقيقه وساعده الأيمن صاحب السمو العم العزيز الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء الموقر، منذ اللحظة الأولى حتى اللحظة الأخيرة في خدمة الوطن وبناء الدولة وقيادة الحكومة بنهجه البصير وجهده الكبير، بما وفد للبلاد رصيدا من الحكمة والتجربة والتنظيم، كان وسيبقى دائما ذخرا لنا ومصدر الهام وقدوة في مواجهة مهام العمل الوطني، ومتطلبات المستقبل، فالشكر والتقدير لسموه حفظه الله على كافة مواقفه القيادية المشرفة، التي وقفها في مسيرة هذا الوطن مرحلة بعد أخرى، واثقين أن سموه بما حباه الله من ثاقب النظر وقوة العزم، سيواصل معنا ومعكم، بإذن الله مسيرة العطاء الذي ننتظره منه، ومن جيل الآباء الذين رافقوه في ملحمة البناء على امتداد المسيرة.

يعرف أهل البحرين أميرهم الجديد جيدا ...وإذا كان ثمة من يعرف سموه أكثر، فهو ولا شك عم سموه، وشقيق والده الطيب الثرى.وسمو الشيخ خليفة، يعبر عن وجدانه تجاه أمير البلاد المفدى، بنفس الأريحية التي عرفناها متبادلة، مفتوحة بين الشقيقين. وسموه بهذه الأريحية يقول في كلمته التي ألقاها يوم 14 آذار/ مارس عام 1999 وفي أول اجتماع لمجلس الوزراء في العهد الجديد سيبقى عيسى بن سلمان شامخا في تاريخ أمته، شموخ إنجازاته الكبيرة،وخلقه العظيم، وستبقى ذكراه العطرة حية عزيزة في وجدان بلاده وشعبه الوفي .


وإننا في هذه الأيام الحزينة، لنستمد عزاءنا في عيسى، من خليفته الابن العزيز، حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة أمير البلاد المفدى أطال الله في عمره . وكلنا ثقة بأنه سيكون خير خلف لخير سلف، وان عهده وبما يملكه سموه من حكمة وقدرات قيادية وحسن تدبر سيكون عهد ازدهار وخير وتقدم، كما كان عهد عيسى . وانه لموضع اعتزازنا أن نبذل أقصى الجهد والعطاء في مساندة ودعم صاحب السمو الشيخ حمد بن عيسى، على نحو ما قمنا به إلى جانب المغفور له بإذن الله تعالي الشيخ عيسى بن سلمان، لمواصلة البناء على ما أسسه الراحل العزيز، وطنيا وإقليميا، وعربيا ودوليا، وإننا لنود في هذا الصدد أن نعبر عن أطيب تمنياتنا بكل التوفيق والسداد لسمو الابن العزيز والشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، والذي حاز تعيينه وليا للعهد على رضا وإعتزاز الجميع . كما كان للنظام والنهج القويم الذي سار عليه انتقال السلطة في البلاد، الأثر الطيب لدى الجميع، وذلك بما عكسه من ثبات ورسوخ لدولة القانون والمؤسسات التي أرسى دعائمها المغفور له أمير البلاد الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة".

انه وجدان الرجل، يفتح عن مكنوناته الثرية، تجاه ابن شقيقه الأحب إلى قلبه.. أما وجدانه، تجاه الشقيق الراحل، فقد عبر عن مكنونه من قبل كثيرا، ولكنه في موقف الرثاء، جاء أكثر شفافية وبكلمات رقيقة قال (انه ليعز كثيرا على النفس أن نقف اليوم نعزي أنفسنا لفقد أغلى واعز الرجال، فقيد البحرين والأمتين العربية والإسلامية، الراحل العظيم المغفور له بإذن الله تعالى، صاحب السمو القائد والوالد والأخ العزيز الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه، واسكنه فسيح جناته، وانزله منازل الصالحين والأبرار، فقد خسرت البحرين والأمة العربية والإسلامية، بفقد عيسى بن سلمان قائدا فذا.

 

نذر نفسه، وكرس جل حياته للعمل من اجل بناء نهضة بلاده الحديثة وتقدمها في شتى المجالات، وخدمة قضايا أمته العربية والإسلامية، وتحقيق السلم والاستقرار في المنطقة والعالم اجمع، تملؤه مشاعر فياضة تجاه شعبه وسائر الشعوب الشقيقة والصديقة .. ضاربا القدوة والمثل الذي يندر تكراره للقائد الوالد الذي جمع بين الحكمة والقلب الكبير، والخلق الكبير والإيمان بمبادئ الصدق والعدل والتعاون والسلام سبيلا للحكم بين الناس، وأساسا للعلاقات بين الدول والشعوب . كان عهد عيسى، عهد السلام والبناء والتقدم والنهضة والوحدة الوطنية ... وما تحقق من إنجازات في عهده على صعيد نهضة البحرين الحديثة وتبوئها لمكانتها الإقليمية والدولية التي تتمتع بها الآن، لهو شيء يدعو بكل المقاييس للفخر والاعتزاز) بهذه التبادلية الرفيعة، في العطاء... والاعتراف بحقوق الآخر، ودوره، عبر أصحاب السمو من آل خليفة، كثيرا من العقبات التي حاولت أن تقف في طريق الإنجاز.. وبهذه الشفافية، فقد رسخت هذه العائلة الكريمة، تقليدا منح البحرين فرصة عظيمة، لإثبات تكرس المؤسسات والدستور فيها، وقدرتها على الانتقال من عهد إلى عهد بسلاسة، وأريحية . ولا يستطيع احد، أن ينكر دور سمو الشيخ خليفة، العم، ورفيق درب الوالد القائد، ورئيس الوزراء، في تعظيم شأن الدستور، وحرصه على انتقال السلطة، لولي العهد، الأمير الجديد، بتلك السلاسة المدهشة.

ولعل هذه المواقف، تجاه البحرين، وأميرها الراحل .. لعلها هي التي كانت تمرفي خاطر صاحب السمو أمير البلاد المفدى، وهو يعبر قولا، وممارسة، عن تقديره، وإكباره، لجهود عمه، ومكانته الرفيعة في قلوب البحرينيين، عامة . وفي قلوب الأنجال الكرام، من أبناء العائلة الحاكمة.

فبعد أيام قليلة، من توليه مقاليد الحكم في البلاد، بادر سمو الأمير المفدى، لزيارة صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، رئيس الوزراء، بديوان سموه معبرا عن احترامه وشكره وتقديره للمواقف النبيلة، التي انتهجها سمو الشيخ خليفة، تجاه سمو الأمير الراحل، ثم تجاه سمو الأمير الجديد .. ولما فيه خير البحرين وأمنها واستقرارها.

وفي كل زياراته، التفقدية، إبان بواكير عهده الميمون، ظل سمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، أمير البلاد المفدى، يحرص على إعلان تقديره، للإنجازات، التي تحققت على يد عمه، صاحب السمو الشيخ خليفة، وبدا ذلك في الزيارة التي قام بها سمو الأمير المفدى، إلى قيادة الحرس الوطني، ففي هذه الزيارة، وجه سموه كلمة ستظل إلى الأبد، في ذاكرة كل مواطن بحريني .. قال فيها، مشيرا إلى سمو الشيخ خليفة.. «وفي ظل هذه المسيرة، وتحت هذه الراية، ومن هذا الموقع، يطيب لي أن أوجه باسمكم جميعا، التقدير والتحية إلى الوالد العم العزيز صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء الموقر، معربا عن الاعتزاز بالعمل معه، من اجل خدمة الوطن والمواطنين، وذلك ما سيبقى محل اعتزازنا وتقديرنا دائما».

أما ما حدث، في زيارة سمو أمير البلاد المفدى، لوزارة الداخلية، فلا يمكن أن يقال عنه، إلا انه من المواقف غير المسبوقة، في تواريخ الدول، ومدى هذه الأريحية، التي انتقلت من العلاقة بين الشقيقين: عيسى وخليفة، إلى ابن الأخ، والعم، حمد وخليفة.

وأضاف سموه، بمزيد من الشفافية والعفوية الصادقة.. "واسمحوا لي أن تكون كلمتي إليكم مختصرة في حضور الوالد والعم العزيز، صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء .. أردت ذلك من منطلق أن العين لا تعلو على الحاجب"..



الوطن... ودور الشقيقين


سألت صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، يوما «كيف لي، أو لأي باحث أن يقيم هذه الإنجازات، التي حققها سموه، للبحرين على كافة الأصعدة؟

وكانت الإجابة، نموذجا، للتواضع، وإنكار ألذات، والأخلاق السامية، التي عرفها الجميع لسموه.. وهو يقول: «ارصد ما تحقق من إنجازات في عهد عيسى بن سلمان رحمه الله. وقارنه مقارنة تحليلية بما كان لدينا في بداية الطريق... وما كان لدينا آنذاك، يعتبر إنجازا كبيرا، في ظل ما كان سائدا من ظروف وأوضاع في الأربعينيات والخمسينيات... هناك الكثير من الأسئلة التي تستطيع كباحث أن تطرحها، وتجد الإجابة عليها شاهدة على عصر عيسى: كم مدرسة كانت في البحرين عام 1961، وكم عددها الآن، ونوعيتها، ومدى تطور العملية التعليمية ذاتها. كم مركز صحي أو مستشفى، كم مصنع، مستوى الحياة التجارية... ومركز البحرين، التجاري والاقتصادي، والدولي.

انظر أين كنا، وكيف أصبحنا اليوم، بل انظر إلى الظروف والعوامل السياسية الخارجية التي كانت تحيط بالبحرين خلال السنوات القليلة السابقة، لتولي صاحب السمو الأمير الراحل، مقاليد الحكم.. ومنها تداعيات الحرب العالمية الثانية، والادعاءات والمطامع الإيرانية بالبحرين، والصراع بين بريطانيا وإيران، ثم دخول الولايات المتحدة الأمريكية حلبة الصراع، بفعل ظهور النفط في المنطقة، وتأثير ذلك كله وانعكاسه على البحرين.

ثم انظر إلى التيارات السياسية، التي تشابكت مع بعضها البعض على الأرض العربية بشكل عام، وترافقت مع انطلاقة المد القومي، فضلا عن تصاعد الكثير من الحركات الأصولية والعقائدية ومدى تأثيرها سلبا أو ايجابيا على البحرين التي لم تكن في نهاية المطاف، بمنأى عن هذه التفاعلات والتحولات... ادرس دور البحرين على صعيد الوحدة الخليجية، ودورها القومي العربي، وهذا الصرح من العلاقات الدولية، التي استطاعت البحرين إنجازها، بفضل النهج الذي أرساه عيسى في السياسة الخارجية للبحرين، وحاز بفضله على ثقة واحترام ومحبة الجميع.

بمثل هذا الرصد الأمين.. وبمثل هذا التحليل الموضوعي، تستطيع، أن تصل للتقييم الصادق، لمجموعة الإنجازات التي قاد لواءها عيسى بن سلمان آل خليفة....قلت: "..وسمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة... أيضا..

فبادرني سموه بالقول: «انه دورنا، ومسؤوليتنا في هذه الحياة، تجاه الوطن، وتجاه هذا الشعب الوفي.. العظيم».

فسمو الشيخ خليفة، أبى إلا أن يحيط سمو الأمير المفدى، بلمسات أبوية، ذات دلالات عظيمة، عن مقدار الحنان والمحبة والاعتزاز، الذي يكنه سموه لابن شقيقه الراحل العزيز .. فالسيارة التي أقلت سمو الأمير المفدى، إلى وزارة الداخلية، كان يقودها سمو الشيخ خليفة.

وبالمقابل، فقد انتهز سمو الأمير المفدى، أول فرصة، للحديث، كيما يشيد وأمام جمع غفير من كبار المسؤولين في وزارة الداخلية، ورجال الإعلام، بسمو الشيخ خليفة ... وقال سموه «أقدم الشكر بعد الله سبحانه وتعالى، إلى الوالد والعم العزيز صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، رئيس الوزراء، الذي هيأ لنا كل الجو لخدمة الدولة وخدمة المواطن، ولا نزال نتعلم من سموه الكثير، وسنحفظ هذا الجميل لسموه ابد الدهر، وطول العهد»..

وأضاف سموه، بمزيد من الشفافية والعفوية الصادقة.. "واسمحوا لي أن تكون كلمتي إليكم مختصرة في حضور الوالد والعم العزيز، صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء .. أردت ذلك من منطلق أن العين لا تعلو على الحاجب"..

 

اصدار وتنفيذ مركز الابداع العلمي - أسسه الباحث توفيق الحمد عام 1992 - البحرين