حرب النفط 1973
بعد انتصاف يوم السادس من تشرين أول/ أكتوبر عام 1973 بقليل، كان العالم يتلقى أوائل أخبار الهجوم العسكري الشامل، الذي شنته القوات المصرية والسورية على الجيش الإسرائيلي، وعلى جبهتي سيناء، وهضبة الجولان... إنها الحرب التي عرفت بـ"حرب تشرين أول/ أكتوبر"، أو "حرب رمضان"، والتي شهدت، ولأول مرة دخول النفط، كسلاح عربي فعال، في المعركة. كان الموقف العربي، يعاني من شبه انحلال، وركود تجاه إسرائيل، والغرب عموما، بينما كانت إسرائيل تعيش على أحلام النظرية التي أطلقها الجنرال ( زائير )، رئيس الاستخبارات العسكرية، والتي تؤكد عدم قدرة العرب، على إعلان الحرب ضد إسرائيل.. أما أمريكا فقد كانت منحازة تماما تجاه إسرائيل، وحريصة على إبقاء ميزان القوى في المنطقة لصالحها.
هكذا كان حال المشهد العام، للساحة العربية الإسرائيلية، عشية السادس من تشرين أول/ أكتوبر عام 1973.. أما قصة الحرب وما رافقها من تطورات، وما سبها من تحولات، فسوف نعتمد في روايتها على كتاب محمد حسنين هيكل «الطريق إلى رمضان».
مع منتصف شهر آب/ أغسطس عام 1973، غادر ستة من كبار الضباط السوريين دمشق، متوجهين إلى جمهورية مصر العربية، بقصد الاستجمام على شواطئ البحر الأبيض المتوسط. وكانت هذه الرحلة، طبيعية للغاية، إذ لم تثر تحركات هؤلاء الضباط أية شكوك، حيث كانوا يمضون أيامهم وهم يمارسون السباحة والقراءة، وتناول الشاي والمرطبات، وبالتالي فلم ينتبه احد إلى أن هؤلاء الضباط يحملون أعلى الرتب العسكرية في الجيش السوري، وان احدهم هو وزير الدفاع السوري مصطفى طلاس..! ومع غياب شمس الثاني والعشرين من آب/ أغسطس، باشر هؤلاء الضباط بعض التحركات السرية، للغاية، إذ كانوا يتسللون الواحد تلو الآخر، تجاه مركز قيادة القوات البحرية في رأس التين، للاجتماع بمماثليهم من كبار ضباط الجيش المصري. وفي هذا الاجتماع تم وضع اللمسات الأخيرة، على خطة الهجوم العسكري المصري السوري الشامل، ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي، وعلى جبهتي السويس، والجولان.
في نفس الفترة التي كانت تجرى فيها الاجتماعات السرية، بين الضباط المصريين والسوريين، كان الرئيس المصري أنور السادات، يقوم بجولة عربية، هدفت إلى جذب وسائل الإعلام والمصادر الاستخبارية، تجاه الزيارة، والى الإيحاء، بان زيارته إلى سوريا، عادية، وضمن جولة طبيعية، مع انه اتفق في هذه الزيارة مع الرئيس السوري حافظ الأسد، على تحديد ساعة الصفر.
على الجانب الآخر، كانت إسرائيل تستعد للاحتفال بيوم الغفران، وهي اطمأنت إلى الرسالة التي وجهتها لمصر، من خلال المناورات الضخمة التي نفذتها خلال شهر أيار/ مايو من نفس العام.. وكان فحوى الرسالة، أن أي محاولة لعبور القناة، تعني إبادة القوات المصرية المهاجمة. وإذا ما فحصنا، الآلية الدفاعية، التي كانت يتمتع بها خط بارليف، والحشود الإسرائيلية والتقنيات العسكرية فنستطيع أن نعترف بان مشاعر الاطمئنان الإسرائيلية كانت مبررة، لولا أن الخطة المصرية المحكمة، أخذت باعتبارها هذا الجانب، فقررت تزويد فرقة المشاة، المهيأة لعبور القناة، بكمية ضخمة من قذائف الستريلاس والملوتكاس، تكفي لإرباك العدو، وإتاحة الفرصة، أمام قوة المشاة، العابرة للإخلال بتوازن القوات الإسرائيلية مع بدايات الهجوم المباغت، بانتظار وصول الدفعات الأخرى من الجيش المصري. ونجحت الخطة نجاحا ساحقا، وصمدت القوات التي عبرت القناة، وقال موشي ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي حينذاك، أن القذائف الجديدة، لم تكن هي التي أخلت بتوازن القوات الإسرائيلية، بل العدد الهائل منها، في اللحظات الأولى، وفي الواقع، فلم يكن عامل المباغتة، محصورا بحوالي ثمانية آلاف جندي، مصري، مجهزين بالقذائف، وأحدث الأسلحة المقاومة للدروع، والطائرات، فقط.. بل كان في نوعية الحرب، الجديدة، التي خاضها الجندي المصري، في الوقت الذي كانت إسرائيل، تعتقد أن الجندي المصري، غير مؤهل علميا لحرب تقنية حديثة. لم تتوقع إسرائيل، أن هناك حوالي 800000 جندي مصري، سيتدفقون عليها مرة واحدة، وان بين هؤلاء، ما يزيد على 110000 جندي، من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، لقد تغير مستوى القدرة العربية، وكان لا بد من توظيف هذه القدرات لتحقيق كسب على ارض الواقع، كما قال الرئيس السادات، الذي كان حصل على وعد من الملك فيصل عاهل السعودية آنذاك، على استخدام سلاح النفط، إذا ما أراد - أي الرئيس السادات..
كان الملك فيصل، يؤكد في أحاديثه للزعماء العرب، دائما "أن النفط ليس سلاحا حربيا.. انه قوة اقتصادية نتمكن بها من شراء أسلحة نستخدمها في المعركة".. وبالمقابل، فقد كانت إسرائيل على ثقة بان العرب لا يستطيعون استخدام النفط كسلاح في المعركة، فوزير خارجية إسرائيل آبا إبيان، يقول: "ليس من خيار أمام العرب سوى بيع البترول، لعدم وجود مصادر أخرى لديهم".. أما الولايات المتحدة، فقد كانت تعتبر إسرائيل عاملا هاما للحفاظ على مصالح أمريكا في المنطقة، وفي نفس الوقت كانت تدرك أن العرب الذين عجزوا عن اتخاذ موقف موحد، وقوي، ضد أمريكا، والغرب، في 48 و67، لن يكونوا قادرين الآن على اتخاذ مثل هذا الموقف.
على الساحة العربية، كانت ثمة دعوات، تظهر هنا وهناك، بعد نكسة عام 67، بوجوب استخدام النفط، كسلاح بيد العرب، غير أن الملك فيصل، كان يقول الجبهة المعارضة لهذا الرأي، كما أسلفنا، ولعل موقف هذه الجبهة، أكد جدواه، في مؤتمر الخرطوم، عندما ساهمت الدول العربية المصدرة للبترول، في دعم المجهود الحربي، وقدمت مساعدات ضخمة لدول المواجهة، فكان نصيب مصر
من هذه المساعدات 100مليون جنيه إسترليني سنويا، وحصلت الأردن وسوريا على مساعدات كبيرة، فكان لهذه المساعدة الدور المباشر في التأكيد على طروحات الملك فيصل، وإسكات الدعوات بقطع النفط عن الغرب، فقد استطاعت المساعدات العربية، إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعد النكسة، ونجحت في إعادة الاعتبار للقوة العسكرية العربية، غير أن المواقف، بدأت تتغير قبل حرب تشرين أول/ أكتوبر.. وتمثلت هذه التغيرات، برسالة التحذير التي حملها الدكتور زكي يماني وزير النفط السعودي، في شهر نيسان/ إبريل عام 1973، لأمريكا، إذا ما استمرت سياستها في الشرق الأوسط على انحيازها الكامل لإسرائيل، وربط ذلك بتزويدها بالنفط، كما تمثلت أيضا بحملة التأميم العربية لمعظم شركات البترول على أراضيها.. ومع اندلاع حرب تشرين أول/ أكتوبر، كانت الأجواء مهيأة تماما، لاستخدام النفط كسلاح بيد العرب، ضد أمريكا، والغرب الداعمين لإسرائيل.
فبعد مشاورات بين الدول العربية المنتجة والمصدرة للبترول، قررت هذه الدول اتخاذ موقف موحد، فأعلنت عن فرض حظر على تزويد الولايات المتحدة والبرتغال وجنوب إفريقيا وهولندا بالنفط، كما خفضت الإنتاج بمعدل 10? كل شهر، وربطت وقف هذا التخفيض المتصاعد بانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة. واثبت حظر النفط فعاليته، لأول وهلة، والى حد ما، إذ عانت الدول الصناعية، من مصاعب جمة، واضطرت كثير من المصانع في أمريكا لإغلاق أبوابها، وتم تقنين استهلاك البترول، في مختلف دول أوروبا، وانتشرت البطالة... أما في الجانب الاستراتيجي والحربي، فقد بادرت دول أوروبا الغربية، لرفض استخدام أراضيها ضمن الجسر الجوي الأمريكي الإسرائيلي، لتزويد هذه الأخيرة بالأسلحة، والذخائر، وقطع الغيار، كما ترتب على ذلك حدوث شرخ عميق في التحالف الغربي الأمريكي. ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، أعلنت أوروبا عن تبني إجراء حوار عربي أوروبي مشترك، ودعت بعض هذه الدول لوضع الحقوق الشرعية العربية والفلسطينية، محل اعتبار، فيما وجهت انتقادات لسياسة أمريكا، من شخصيات أمريكية بارزة، بعضها كان ضمن الحكومة، مثل الجنرال جورج براون رئيس أركان حرب القوات المشتركة، الذي حذر من تزايد النفوذ الصهيوني في أمريكا، ولكن هل كان هو التأثير المطلوب هل كان هو التأثير الذي وعد به منظرو فكرة استخدام النفط، سلاحا في المعركة الواقع سيشير فيما بعد إلى عكس ذلك. ولكن لن نستبق الأمور.
جلسة استثنائية
كانت البحرين، من بين الدول العربية، التي تنادت لحضور الاجتماع الذي انعقد في الكويت يوم 17 تشرين أول/ أكتوبر. وكان يهدف إلى اتخاذ قرار بقطع النفط عن أمريكا. وهو الاجتماع الذي ترتب عليه قرارات عربية، صدرت على التوالي من عواصم الدول النفطية، ومنها البحرين، ففي المنامة، ترأس سمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة اجتماع مجلس الوزراء، في جلسة استثنائية عقدت يوم 20 تشرين أول/ أكتوبر، اصدر المجلس بعدها بيانين هامين. جاء في الأول: "تعلن حكومة دول البحرين، انه بالنظر للموقف الذي تقفه الولايات المتحدة الأمريكية من الأمة العربية، وهي في غمرة نضالها العادل والمشروع ضد العدو الصهيوني، وانسجاما مع ما يتطلبه الواجب القومي، فقد قررت وقف تصدير النفط إلى الولايات المتحدة، ابتداء من اليوم". وجاء في القرار الثاني: "لقد قررت حكومة دولة البحرين إنهاء الاتفاقية الموقعة في كانون أول/ ديسمبر عام 1971 بينها وبين الحكومة الأمريكية، والخاصة بمنح تسهيلات للبواخر الأمريكية في ميناء البحرين. وكانت الحكومة أخطرت القائم بالأعمال الأمريكي عن عزمها إلغاء الاتفاقية المذكورة، إذا لم تغير الحكومة الأمريكية سياستها المتحيزة للعدو الإسرائيلي، وذلك لدى استدعاء القائم بالأعمال الأمريكي من قبل سعادة الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة وزير الخارجية، بتاريخ 18 تشرين أول/ أكتوبر الجاري. وقد اتخذت الحكومة هذه الخطوة بدافع من المصالح القومية واستجابة لمعطيات المعركة المصيرية التي تخوضها امتنا العربية في الظروف الحالية، وكنتيجة للموقف الأمريكي العدائي ضد الأمة العربية. كما قررت حكومة البحرين العمل بالقرارات التي اتخذتها منظمة الدول العربية المصدرة للنفط، وذلك في الاجتماع الذي عقد في الكويت بتاريخ 17 تشرين أول/ أكتوبر الجاري".
يقول الكاتب والصحفي المصري محمد حسنين هيكل، في كتابه "الطريق إلى رمضان"، إن العرب لم يكن لديهم خطة واضحة، وموضوعة سلفا لاستخدام سلاح البترول، والحقيقة أن النتائج التي ترتبت على حظر تصدير النفط، شكلت مفارقة غريبة.. فرغم النتائج الايجابية، التي تحققت، مباشرة، وفي بدايات الحظر إلا أن هناك من النتائج، ما لم يكن مأخوذا بالحسبان... ولهذه قصة يحسن بنا، أن نعرضها.
في مصر، شكلت وزارة الخارجية فريق عمل لدراسة أساليب التحرك الممكنة، بشأن جدوى استخدام النفط كسلاح، ولكن نتائج الدراسة لم تكن محددة. وفي وقت كان مناسبا للغاية، وقعت في أيدي المسؤولين بوزارة الخارجية وثيقة لعبت دورا كبيرا في توجيه السياسة النفطية. وكان ذلك قبل الحرب بأيام قليلة. ولهذه الوثيقة قصة، بدأت من خلال مشروع لمركز الدراسات الإستراتيجية التابع لجريدة "الأهرام"، إذ تمت دعوة الدكتور مصطفى خليل نائب رئيس الوزراء السابق للصناعة والثروة المعدنية - ورئيس الوزراء بعد الحرب- ليضع دراسة عن أزمة الطاقة في الولايات المتحدة، وآثارها بالنسبة للدول العربية. وفي أول تشرين أول/ أكتوبر، أنهى الدكتور خليل دراسته تلك، ووضعت تحت تصرف الرئيس السادات.
كان هذا، هو فحوى التقرير، الذي يعتبره هيكل دراسة إستراتيجية متكاملة. والواقع أن التقرير، لم يكن أكثر من انطباعات وتنبؤات تتوافق مع وجهة النظر المصرية بخصوص استخدام النفط كسلاح، وعلى العموم، فهذا التقرير، وتوصياته، كان من بين الوثائق التي حملها الوفد المصري، الذي توجه على الفور، للاجتماع مع القيادة السعودية... لعرض الأمر على الملك فيصل. وفي الاجتماع الأول، بين المصريين والملك فيصل، في مكتبه الخاص، في القصر الملكي بالرياض، كان من الجانب السعودي الأمير فهد بن عبد العزيز وزير الداخلية، والدكتور رشاد فرعون المستشار الأقرب للملك فيصل. وفي الجانب المصري، كان سيد مرعي، ومصطفى خليل -صاحب التقرير!- والعميد سعد القاضي، الذي جاء مزودا بالخرائط التوضيحية، لبيان سير المعركة. وأنصت الملك فيصل بانتباه للعرض الذي قدمه سيد مرعي، ومصطفى خليل، وكان يومئ برأسه من آن إلى آخر. كان واضحا أن التحليل الذي قدمه القاضي قد آثار اهتمام الملك، ولقد بدا واضحا في الاجتماع الثاني، الذي انعقد بعد الإفطار، أن الملك فيصل كان أكثر تفاؤلا، وقد أكد ذلك، عندما قال: "لقد جعلتمونا جميعا فخورين للغاية. كنا في الماضي لا نستطيع أن نرفع رؤوسنا، والآن نستطيع، لقد قمتم بواجبكم، وقاسيتم في سبيل ذلك. لقد دمرت مدنكم. وان اقل ما تستطيع الدول العربية الأخرى أن تفعله، هو مساعدتكم ماليا، وبأية معدات عسكرية تملكها". وفي هذا الاجتماع، قرر الملك تقديم هدية عاجلة لمصر، مقدارها 200 مليون دولار، مشيرا إلى أن وحدات من الجيش السعودي في طريقها إلى الجبهة السورية. وأضاف الملك قائلا: "إن ما نعطيه ليس إحسانا، وما نقدمه من مال، اقل بكثير مما تقدمونه من أرواح وتضحيات أخرى".
بعد ذلك، سأل الملك فيصل المصريين عن الخطوات العملية الطويلة الأمد، التي يرون انتهاجها، فأشاروا عليه أن يستدعي القائم بالأعمال الأمريكي، وان يعرض عليه ملخصا للنقاط التي تمت مناقشتها - يذكر هنا، أن السفير الأمريكي جيمس أتكينز كان غائبا. وهو في الحقيقة واحد من ابرز خبراء الوكالة الحكومية للطاقة- كما أشار الوفد على الملك أن يقابل وزير الخارجية السعودي، الرئيس الأمريكي نيكسون في واشنطن لشرح نفس القضية!!
هنا، ومع أن من الصعب، تقبل فكرة، أن يقرر موظفون مصريون، للملك فيصل أسلوبا سياسيا ينتهجه، فسوف نبقى مع رواية هيكل الذي يتابع فيقول: "وسأل الملك فيصل الوفد المصري: ماذا عن أصدقائنا الليبيين؟ ماذا أعطوكم؟ فأجاب سيد مرعي: إن القذافي عرض أربعين مليون دولار، وأربعة ملايين طن من البترول الخام. فقال الملك: هذا ليس كافيا. ولعله كان من الأفضل لو أن الليبيين صرفوا أموالهم على المعركة بدلا من إثارة القلاقل في الدول العربية الأخرى!". بعد ذلك، توجهت البعثة المصرية إلى الكويت، فالتقت بسمو أمير الدولة، وفي البحرين التقت البعثة بسمو الأمير الراحل وسمو رئيس الوزراء، حيث دارت مناقشات مثيرة، لأكثر من ساعتين، وقد بدا واضحا أن المسؤولين في البحرين تواقون لمعرفة الموقف العسكري على الجبهة، وعازمون على المساهمة بدورهم في هذه المعركة المصيرية.
ولكن، هل جاءت النتائج، بقدر الآمال التي علقها العرب، وبالذات الشارع العربي، على هذا الإجماع بحظر النفط هنا، وفي الإجابة على هذا السؤال، يظهر واضحا مدى الهيمنة الإستراتيجية لشركات النفط، على مقدرات العالم، ومقدرات العرب بشكل خاص. كما يظهر وبشكل أكثر وضوحا، إن نظرية الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز، كانت أكثر صوابا، وأوسع أفقا، من النظرية المقابلة، التي تبنت استخدام النفط سلاحا في المعركة.
ففي الاجتماع الذي عقده وزراء النفط العرب في الكويت يوم 17تشرين أول/ أكتوبر، لتنسيق سياسة بترولية عربية موحدة، تبنت السعودية اقتراحا يدعو لتخفيف الإنتاج بنسبة 15?. غير أن الرئيس السادات اعتبر ذلك تضحية كبيرة! واقترح أن تكون نسبة التخفيض 5? فقط، مع زيادة كبيرة على الأسعار. وكانت النتيجة زيادة متأرجحة في السعر، وتخفيض متواضع في الإنتاج، أي أن هذه القرارات، كانت تقدم كعكة لذيذة، لشركات النفط، الأمريكية تملأ خزاناتها بالنقود! لقد ترتب على هذه القرارات، أن انقلب واقع الحال، فبينما كان المفترض أن تجتاح الولايات المتحدة أزمة طاقة، وتخضع لرحمة المقاطعة العربية، بلغت أرباح شركات البترول الأمريكية حدا أسطوريا لم تبلغه من قبل، وكان نصيب العرب نتيجة رفع الأسعار 60000 مليون دولار، وهو رقم لا يكاد يذكر أمام نصيب شركات النفط الأمريكية!! وبدل أن تكون الضربة موجهة لأمريكا، أصيبت بها اليابان ودول أوروبا الغربية المنافسة لأمريكا.
كان واضحا أن الدول العربية الداعية لحظر النفط، وبهذا الأسلوب أساءت تقدير اللعبة، وان الرابح من هذه المعركة، هي الشركات النفطية الأمريكية... ومع ذلك، وبغض النظر عن هذه النتائج، فقد استطاع البترول أن يوحد العرب على قرار واحد، وبرز كسلاح يدخل المعركة لأول مرة.
والآن، فربما يطرأ سؤال، على سطح القضية، يحتاج إلى إجابة... إذ كيف تمكنت أمريكا من إبطال مفعول هذا السلاح الذي اعتقده العرب سيفا سحريا، قادرا على فعل المعجزات؟
للإجابة على هذا السؤال يجب الرجوع إلى الأزمة التي شهدتها الولايات المتحدة، في شتاء عام 1972، والتي عرفت بـ"أزمة الطاقة"، فقد عانت أمريكا، في هذا الشتاء، من نقص إمدادات الطاقة النفطية، حتى أغلقت محطات الوقود، وأصبحت المنازل والمكاتب بدون تدفئة، كان واضحا أن أمريكا تعيش أزمة، ولكن الحقيقة، أن الولايات المتحدة تمتلك احتياطيات ضخمة من الفحم واليورانيوم والبترول، ولديها أضخم مصادر طاقة في العالم، غير أن المشكلة التي كانت تعاني منها أمريكا، كانت عدم القدرة على وضع خطة طوارئ، حقيقية، وهي المشكلة التي جاءت حرب تشرين أول/ أكتوبر، لتنقذها منها، وتخرجها أكثر قدرة على التنسيق، ووضع خطة للطوارئ.
وبالمقابل، فقد كان الضرر الذي أصاب اليابان مثلا، أكثر بكثير، إذ أنها تعتمد على استيراد 90? من احتياجاتها النفطية من منطقة الخليج العربي، كذلك أوروبا، وان كان اعتمادها على البترول العربي، اقل من اليابان، التي لا تمتلك أية امتيازات نفطية في المنطقة، فيما تمتلك أمريكا حوالي 60? من حقول النفط العربي!
إذن لم تكن ضربة سلاح النفط موفقة تماما، وان كانت استطاعت أن تصنع فرقعة جلبت الأنظار نحو القضية العربية.
هنا.. وقبل أن نغادر هذه الفترة الزمنية، يتحتم علينا طبعا، إلقاء نظرة على الحال التي كانت عليها البحرين آنذاك، كانت قلوب البحرينيين، إبان الحرب، تتفتح على بكرة أبيها، تجاه جبهتي السويس، والجولان.
فشهدت الشوارع والأحياء، اجتماعات ولقاءات شعبية، للتبرع بأموال والمعونات العينية، التبرع بالدم.. إضافة إلى أن النفوس كانت مشحونة بأخبار المعركة، وما تذيعه وكالات الأنباء من انتصارات عربية، وطبعا فقد ترافق ذلك مع القلق الشديد، جراء التهديدات الأمريكية والإسرائيلية، حتى أن البعض توقع حربا شاملة، تصل شظاياها إلى البحرين.
وعلى الصعيد الرسمي، كانت التوجيهات السامية، بإعداد البلاد، وفق جاهزية عالية، تحسبا لوقوع ما لا يحمد عقباه.. ونتيجة للمشاورات الحثيثة بين الشقيقين: أمير البلاد، وسمو رئيس الوزراء، صدر المرسوم الأميري، بقانون رقم 24 لسنة 1973، والقاضي بإنشاء مجلس للدفاع الأعلى، أسندت رئاسته لسمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، رئيس الوزراء.. وأوكلت إلى هذا المجلس، مهمة تولي السياسة الدفاعية ، والإشراف على الخطط العسكرية للدفاع عن البحرين، إضافة إلى تأمين الاحتياجات اللازمة للمواطنين، واتخاذ الاحتياطات الأمنية، لضمان سلامة البلاد والمواطنين.
هذا على المدى المباشر، أما على المدى الطويل، فقد كانت تلك الفترة، مناسبة تماما لاستقاء الدروس والعبر، والتجارب، إذ أن ما حدث من تداعيات حول استخدام النفط كسلاح، أوصلت سمو الشيخ خليفة لقناعة مطلقة بضرورة إعادة النظر في الاتفاقيات الموقعة مع شركات النفط، بغية الحصول على المزيد من الامتيازات، وعلى ذلك، فقد أبرمت اتفاقية جديدة، بين الحكومة وشركة النفط دخلت حيز التنفيذ، في الأول من كانون ثاني/ يناير عام 1974، وحصلت البحرين بموجبها على 60? من حقوق التنقيب، ومرافق الشركات، كما حصلت على الحق بامتلاك آبار غاز جديدة، على حسابها، وان تكون هذه الآبار ملكا لها. وهكذا، نجحت سياسة سمو الشيخ خليفة، وتوجيهات سمو الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان، في دفع البحرين، لاجتياز مفرق صعب، ومرحلة كانت ذات متغيرات دراماتيكية، واجهت البحرين، في الوقت الذي كانت خرجت لتوها فيه، من قضية، "الحركات السياسية اليسارية" وقضية الاستقلال والتهديدات الإيرانية.

|