حل المجلس الوطني 1975
"... إن التصنيف الايديولوجي لتكتلات المجلس الوطني، هو الذي كان له الدور الأكبر في الاختلافات داخل المجلس، حيث أن الأفكار تختلف بين الأعضاء في معظم الأحيان بنسبة 081 درجة وعلى الرغم من أن الجميع يعرفون توزيع هذه التكتلات غير الرسمية، إلا أن هذه التسميات والتوزيعات، تكتب في الصحف أو تقال في الأحاديث فقط."
علي صالح الصالح
مجلة "المواقف"
9 كانون أول/ ديسمبر عام 1974
"كان من المفروض على المجلس بجميع أطرافه، أن يتفهم الأوضاع الأمنية، في المنطقة، ويحاول تحمل المسؤولية الملقاة على عاتقه، وان يطرح الأمر في المجلس، بعد الاتفاق مع الحكومة على نوعية الطرح، خاصة وانه بدأ يظهر نوع من التحدي من قبل أعضاء المجلس، والمزايدات فيما بينهم!!!"
جاسم مراد
مجلة "المواقف"
16حزيران/ يونيو عام 1975
كنا قد توقفنا عند انعقاد المجلس التأسيسي، وما رافق جلساته من مفارقات، والقينا نظرة سريعة إلى حد ما، على الألوان السائدة في الطيف السياسي البحريني آنذاك، من خلال تحليل التوجهات السياسية والعقائدية في المجلس التأسيسي.

وغني عن القول، أن هذا المجلس، لم يكن سوى مرحلة تأسيسية على طريق الديمقراطية التي أرادها سمو الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، ومن قبله المغفور له سمو الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، والتي عمل سمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء، على تكريسها، وترسيخ مؤسساتها، وبلورة طرائقها، باعتباره رأس السلطة التنفيذية، ورفيق درب سمو الأمير الراحل، إذ تلقى معه أصول الحكم والسياسة والإدارة، من لدن الراحل الكبير، والوالد، سمو الشيخ سلمان.
وفي هذا الصدد، قال لي الأستاذ احمد العمران، الذي عاصر سمو الشيخ سلمان، وكان قريبا من وجدانه بان فكرة مجلس شورى معين كانت تراود سمو الشيخ سلمان، وكان كثيرا ما يصرح بهذه الرغبة في مجالسه العامة والخاصة.. ويحكي العمران، ذلك، من خلال ذكرياته: "في إحدى المرات، استدعاني سمو الشيخ سلمان رحمه الله، وقال لي: أستاذ احمد، إن لي رغبة بإنشاء مجلس للشورى، معين، وأنت رجل متعلم، وقريب من الناس، فأرجو أن تجس نبض الناس، بهذا الخصوص، بأسلوبك، وتستطلع لي رأي المواطنين في قيام مثل هذا المجلس.
ويضيف العمران، أن سمو الشيخ سلمان، تعدى طور السر، في ذلك، إذ أعلن عن رغبته هذه من خلال كلمة ألقاها في إحدى المناسبات، فتصدى الإنجليز للفكرة، بأسلوبهم، وبالخفاء، وخاصة مستشار الحكومة الذي أدرك أن هذا المجلس سيسحب بعض صلاحياته، وبالتالي فقد عمد إلى بث أفكاره، بين عدد من أفراد العائلة الحاكمة بغية دفعهم للتأثير على سمو الشيخ سلمان، بحجة أن مثل هذا المجلس، سيتسبب في سحب جزء كبير من صلاحياتهم ونفوذهم.
وعندما شرع سمو الشيخ عيسى بن سلمان، وسمو الشيخ خليفة بن سلمان بوضع خطط التنظيم الإداري، والهيكل التنظيمي لمؤسسات الدولة، كان على رأس قائمة الأولويات، إنشاء برلمان منتخب من قبل الشعب. وهذا ما أكدته صحيفة السياسة الكويتية الصادرة في الأول من أيار/ مايو عام 0791 - أي قبل تأسيس المجلس الوطني بأربع سنوات.. ففي مقال للصحيفة بعنوان "دستور وبرلمان للبحرين..." كتبت تقول: "غادرت مطار الكويت صباح أمس، البعثة البحرينية برئاسة سمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، رئيس مجلس الدولة في البحرين، عائدة إلى البلد الشقيق، يحمل رئيسها رسالة جوابية من سمو الأمير إلى أخيه عاهل البحرين" وأضافت الصحيفة، معلومات نسبتها إلى مصادرها تفيد أن مهمة الوفد، كانت محدودة.. فقالت: "إن الوفد طلب من جملة مطالبه من الكويت، الاستعانة بالقوانين والأنظمة السياسية وغير السياسية، للاستفادة منها في المرحلة الاستقلالية المقبلة القريبة.
وذكرت هذه المصادر أيضا، أن البحرين أعربت عن رغبتها بالاستعانة بخبرة وخبراء الكويت، لإعداد دستور الدولة الجديدة، الذي سيعمل به بعد الاستقلال.
ومن المحتمل أن تقدم الكويت إمكانياتها مع الخبراء بهذا الصدد. ومن ناحية أخرى، قالت معلومات أخرى غير رسمية، وغير مؤكدة، بان البحرين ستطلب في وقت قريب "ربما طلب الوفد ذلك" من الكويت الاستعانة بتنظيم واستكمال خطواتها الديمقراطية على صعيد إنشاء برلمان بحريني".
ولقد عبرت الحكومة البحرينية، عن نواياها الديمقراطية، وانفتاحها نحو تمكين الشعب من المشاركة في الحكم، منذ بواكير تشكيلها، في عهد الاستقلال..
كما أنها تعاملت مع الانتخابات التي سبقت المجلس التأسيسي، بحياد تام، يظهر واضحا من خلال تشكيلة الطيف السياسي والعقائدي، الذي أفرزته الانتخابات لتشكيل المجلس التأسيسي.
ومنذ عهد المجلس التأسيسي، ظهر واضحا أن ثمة أطيافا، سياسية وعقائدية، اعتبرت الوصول للمجلس التأسيسي، فرصة لمناكفة الحكومة، والسلطة التنفيذية.. ومع أن انطباعات مؤسسة الحكم، آنذاك، عن أداء المجلس التأسيسي، لم تكن ايجابية، إلا أن سمو الشيخ عيسى بن سلمان، وسمو الشيخ خليفة بن سلمان، ظلا يحرصان على عدم حجب حق الشعب، بإفراز مؤسسته التشريعية المنتخبة، رغم تحذيرات كثيرة، وصلت إلى سمو الأمير، وشقيقه سمو الشيخ خليفة.
أعضاء المجلس الوطني الأول
في الحادي عشر من تموز/ يوليو عام 1973، أصدر سمو الأمير، مرسوما حدد "أحكام الانتخاب للمجلس الوطني"، وجاء في المادة الأولى من هذا المرسوم: "يتألف المجلس الوطني من ثلاثين عضوا، ينتخبهم الشعب بطريق الانتخاب العام السري المباشر، ويكون الوزراء أعضاء في المجلس الوطني بحكم مناصبهم".
وفي مواده اللاحقة، حدد المرسوم الشروط الواجب توافرها في الناخبين، والإجراءات الواجب إتباعها لإتمام العملية الانتخابية، وكيفية تقديم الطعون.
ولتطبيق هذه الأحكام، أصدر رئيس الوزراء في 16 آب/ أغسطس من نفس العام، قرارا حدد فيه "المناطق والدوائر الانتخابية". وفي نفس اليوم أصدر وزير البلديات والزراعة، قرارا بشأن تحديد موعد الطعن القضائي في جداول الانتخاب. وبذلك أصبحت البلاد مهيأة للخطوة الحاسمة، في تاريخها، على طريق إنشاء المجلس الوطني، وشهد صباح يوم السابع من كانون أول/ ديسمبر عام 1973، بدء العملية الانتخابية، حيث تنافس 114 مرشحا يمثلون كافة فئات واتجاهات الشعب البحريني، للفوز بمقاعد المجلس، فيما بلغ عدد المسجلين في الجداول الانتخابية 27ألف ناخب، مقارنة بنحو 22 ألفا سجلوا في انتخابات المجلس التأسيسي.
كان يوما مشهودا، ذلك الذي خرجت فيه جموع البحرينيين، لممارسة حقها الانتخابي، وإفراز مجموعتها المختارة، من الرجال اللذين اختارتهم لحمل أمانة السلطة التشريعية في البلاد، وبغض النظر عن الاحتفاليات، التي رافقت العملية الانتخابية، فقد سارت عمليات الانتخاب، سيرا حسنا، دون أية حادثة تعكر صفوها، واجمع المراقبون، على أن الانتخابات كانت تجري بحيادية، ونزاهة، كما أنها شهدت إقبالا شعبيا كبيرا.وحسب ما هو مقرر، تم إغلاق باب التصويت، في الساعة الثامنة من مساء اليوم ذاته، حيث بدأت عمليات الفرز مباشرة.

وفي صباح اليوم التالي، كان أثير إذاعة البحرين، يحمل لمواطنيها، أسماء الذين أولاهم الشعب ثقته واختارهم لحمل المسؤولية.
وضمت قائمة الفائزين، السادة:
- الشيخ إبراهيم بن سلمان آل خليفة - الشيخ عبد الأمير منصور
- الشيخ عباس محمد علي - الشيخ عيسى احمد قاسم
- الدكتور عبد الهادي خلف - إبراهيم محمد حسن فخرو
- عبد الله الشيخ محمد المدني - الدكتور عبد الهادي خلف
- الدكتور عبد الهادي خلف - سلمان الشيخ محمد
- علي إبراهيم عبد العال - عبد الله علي المعاودة
- جاسم محمد مراد - عيسى حسن الذوادي
- خليفة احمد البنعلي - رسول عبد العلي الجشي
- خالد إبراهيم الذوادي - محمد جابر الصباح
- محمد عبد الله هومس - مصطفى السيد محمد القصاب
- علوي السيد مكي الشرخات - عبد الله منصور عيسى
- محمد سلمان احمد حماد - يوسف سلمان كمال
- خليفة احمد الظهراني. - محسن حميد المرهون
- علي صالح الصالح - عبد العزيز منصور العالي
- حسين علي المتوج - حمد عبد الله ابل
بهذا، كانت صورة المجلس قد اكتملت، وأصبح المسرح مهيأ تماما، كي يمارس ممثلو الشعب أدوارهم الوطنية التي انتخبوا من اجلها..وعلى هذا، أصدر سمو الشيخ عيسى بن سلمان، مرسوما أميريا، في العاشر من كانون أول/ ديسمبر، يقضي بدعوة المجلس الوطني للانعقاد في تمام الساعة العاشرة من صباح يوم الأحد السادس عشر من كانون أول ديسمبر عام 1973 لدور الانعقاد العادي الأول، من الفصل التشريعي الأول.
الجلسة الافتتاحية
كان حقيقيا بذلك الصباح، أن يكون مختلفا، فأجواء كانون أول/ ديسمبر اللطيفة، وأمطاره الحنون، كانت تبعث المزيد من التفاؤل، إلى قلوب البحرينيين، الذين اصطفوا على جوانب الطرقات، لتحية سمو أمير البلاد، وسمو رئيس الوزراء، وسمو ولي العهد. وهم في طريقهم لافتتاح أول برلمان بحريني، عبر تاريخ البلاد الطويل.
وفي مبنى بلدية المنامة. هذا المبنى الذي وقف شاهدا على الكثير من أيام البحرين التاريخية، وفي تمام الساعة العاشرة والربع، كان صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان، وصاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان، قد أخذا موقعيهما على المنصة الرئيسية، حيث أعلن سمو الشيخ خليفة رئيس الوزراء افتتاح الجلسة، التي تشرفت بتلاوة عطرة من آيات الذكر الحكيم. ثم دعا سمو رئيس مجلس الوزراء، صاحب السمو الأمير، لإلقاء الخطاب الأميري، الذي جاء فيه:"باسم الله العلي القدير... وعلى بركته وبتوفيق من لدنه ... نفتتح الدورة الأولى للفصل التشريعي الأول، لمجلسكم الموقر.. وانه ليسعدنا، ونحن في هذا اليوم الأغر، أن نرحب بكم أعضاء في هذا المجلس الكريم.نرحب بكم إخوانا تساهمون معنا في تحمل مسؤوليات الحكم وتبعاته، وانه ليسعدنا ونحن نخاطبكم أن نخاطب في شخصكم شعبنا العزيز، الذي اختاركم لتمثلوه في هذا المجلس، شعبنا الذي لا ننسى وقفته المخلصة معنا بقلبه وبإرادته وبعمله، آخذا بيد بلده من عهد إلى عهد، متخطيا بمجتمعه من طور إلى طور، ومنتقلا بوطنه من دور إلى دور، داخلا عهدا جديدا، عهد الاستقلال من أوسع أبوابه، مؤكدا للعالم كله عروبة البحرين، وأنها جزء لا يتجزأ من كيان الأمة العربية، ومعبرا عن رغبة البحرين في أن تكون عضوا فعالا في الأسرة الدولية، عضوا مساهما في العمل لما فيه خير الإنسانية، وعاملا من اجل أن يعم السلام العالم، وان يرفرف علم الإخاء على أرجائه، منكرا للعدوان واغتصاب الحقوق، نابذا للحروب إلا دفاعا عن الأرض والنفس وانتصارا للحق، مؤيدا للشعوب في تحريرها وفي تقرير مصيرها، باسطا يده لصداقات شعوب العالم ودوله على أساس من المساواة والعدل والاحترام المتبادل للسيادة، وفيا بواجباته نحو الدول الإسلامية على أساس من الأخوة في الدين، وعاملا على توطيد وترسيخ علاقات الأخوة وتوثيق التعاون بينه وبين شقيقاته العربيات، انطلاقا من وحدة الهدف ووحدة المصير ووحدة القضية..".
ويستمر الخطاب الأميري ليقول: " بوفاء من الشعب وإخلاصه، دخلنا عهد الاستقلال، وقد قطعنا على أنفسنا عهدا، وأعطينا لشعبنا وعدا بان نشركه في تحمل أعباء الحكم، وان نعمل على تطوير الديمقراطية وحكم الشورى، وان نحكم البلاد حكما دستوريا، مبينا للحقوق معينا على الوجبات، فاصلا للسلطات الثلاث، مؤكدا تعاونها، قائما على العدل، موطدا للإخاء كافلا للحريات. وقد سرنا في هذا الطريق، فأصدرنا القوانين والمراسيم في التنظيم الإداري، فأنشأنا مجلسا للدولة، تحول منذ عهد الاستقلال إلى مجلس للوزراء، وكان هذا بداية للتحول المرحلي، وقد آثرنا أن ننظر إلى مواقع أقدامنا حيث نضعها، ولا نخطو في الظلام. آثرنا التدرج وابتعدنا عن منزلقات القفز، وكان علينا أولا أن نطور التشريعات القائمة وان نضع تشريعات جديدة تتناول شؤون المواطنين، وأمورهم الحياتية تناولا فعالا. وقد أصدرنا الكثير من هذه التشريعات، ولسوف نعمل -بتعاونكم معنا- على استكمال نظامنا القانوني لما له من أهمية في تنظيم حياة المواطنين، ولتعلقه بشؤون حياتهم المعيشية".
وما انتهى سمو الأمير، من إلقاء خطابه الشامل، والذي حدد فيه ملامح المرحلة، وبين فيه دور هذا المجلس، والواجبات الملقاة على عاتق أعضائه، حتى بدأ سمو رئيس الوزراء بإلقاء كلمة الشكر التالية:"سيدي صاحب السمو أمير البلاد المفدى.. أرجو أن تتفضلوا بقبول شكرنا الجزيل وامتنانا العظيم على تفضلكم بالحضور، وافتتاح أول مجلس وطني للبلاد في دورته الأولى، والذي نأمل وبثقة، أن يكون بفضل توجيهاتكم السامية، دعامة أساسية للديمقراطية، وعنصرا فعالا للسير نحو تقدم أفضل تحت قيادتكم الرشيدة، في عهدكم الميمون".
ثم دعا سمو رئيس الوزراء، أعضاء المجلس الوطني بمن فيهم الوزراء، إلى أداء اليمين الدستورية، وكان سموه البادئ بأداء اليمين قائلا: "اقسم بالله العظيم أن أكون مخلصا للوطن وللأمير وان احترم الدستور وقوانين الدولة وأذود عن حريات الشعب ومصالحه وأمواله وأؤدي أعمالي بالأمانة والصدق".
وبانتهاء مراسم حلف اليمين، كانت الجلسة الافتتاحية الرسمية، تعلن نهاية فصولها، فيما نهض سمو الأمير، مودعا الحاضرين، ليغادر القاعة، مصحوبا بسمو رئيس الوزراء، وسمو ولي العهد، اللذين ودعاه بكل الحفاوة والتقدير، ثم عاد سمو رئيس الوزراء ليعلن افتتاح الجلسة العادية بكلمة قال سموه فيها:
"حضرات الزملاء الأفاضل. بسم الله تعالى نفتتح جلسة العمل الأولى لهذه الدورة ونرجو من الله أن يجعلها مباركة وفاتحة خير لأعمالنا في هذا المجلس الكريم. واسمحوا لي حضرات الأعضاء المحترمين، أن أرحب بكم إخوانا صادقي الأخوة، وزملاء مخلصي العزم في العمل والبذل والعطاء، متعاونين فيما بيننا بروح سمحة، وإرادة ثابتة. رائدنا المصلحة العامة، وهدفنا الخير العام لهذا البلد، الآمن وشعبه الكريم.فليكن أسلوبنا في العمل حضرات الزملاء الكرام، قدوة في المنهج الديمقراطي ودليلنا في التعامل المخلص البناء، حضرات الزملاء الكرام، فانتم أهل للمسؤولية المناطة بنا جميعا، ولحمل الثقة التي شرفنا بها. والأمل فيكم معقود، والآن اسمحوا لي أن ادعوكم لاختيار رئيس لهذا المجلس الكريم في دورته الأولى".
بدأت إجراءات انتخاب رئيس المجلس، بترشيح المتنافسين، فرشح العضو إبراهيم محمد حسن فخرو، الأستاذ حسن جواد الجشي، وثنى على الترشيح العضو جاسم مراد، ولم يتقدم احد آخر بالترشيح، وبالتالي فقد أعلن فوز الجشي بالتزكية، رئيسا للمجلس، فدعاه سمو رئيس الوزراء إلى المنصة لتولي زمام الرئاسة، وهنأه بالفوز، ثم اخذ سموه مكانه بين الوزراء أعضاء المجلس.
بعد ذلك قاد رئيس المجلس، عملية انتخاب نائب الرئيس، فطلب من الأعضاء تسمية من يرغبون ترشيحه، حيث انحصرت رغبات الأعضاء، بعضوين هما: خليفة احمد البنعلي، وجاسم محمد مراد. أما الأول، فقد رشحه العضو محمد عبد الله هرمس، وثنى عليه العضو مصطفى القصاب، فيما رشح الثاني، العضو إبراهيم محمد حسن فخرو، وثنى عليه العضو علوي السيد مكي الشرخات، والعضو سلمان الشيخ محمد الشيخ ناصر، وبالتالي، فقد أجريت عملية فرز الأصوات، بمساعدة كل من العضوين: عبد الله علي المعاودة، والشيخ إبراهيم بن سلمان بن خالد آل خليفة، فحصل العضو خليفة البنعلي على 22 صوتا، وحصل العضو جاسم محمد مراد على مثلها، مما دعا رئيس المجلس إلى إعادة الانتخاب -حسب ما نصت عليه المادة 45 من الفصل الثاني من الدستور- وبعد الجولة الثانية، فاز العضو خليفة البنعلي بثلاثة وعشرين صوتا، مقابل واحدا وعشرين صوتا حصل عليها العضو جاسم محمد مراد.وهكذا، أعلن رئيس المجلس فوز البنعلي بمنصب نائب الرئيس، حيث دعي إلى المنصة ليأخذ مكانه إلى جانب الرئيس.
بعد ذلك، طلب الرئيس من الأعضاء انتخاب أمين السر، فبادر الشيخ عبد الأمير الجمري، لترشيح العضو عبد الله الشيخ محمد علي المدني، الذي ثنى على ترشيحه، العضو عبد العزيز العالي، ورشح العضو علي ربيعة، الدكتور عبد الهادي خلف، فثنى على ترشيحه العضو جاسم مراد.ونتيجة الاقتراع، فاز العضو عبد الله المدني بستة وعشرين صوتا، مقابل ثمانية عشر صوتا حصل عليها الدكتور عبد الهادي خلف. وبذلك تقرر تسمية العضو عبد الله المدني، أمينا للسر، فدعاه الرئيس لأخذ مقعده على المنصة.
بعد انتهاء إجراءات اختيار النائب، وأمين السر، ألقى رئيس المجلس الوطني، كلمة افتتح بها عهد رئاسته للمجلس. فقال:"صاحب السمو رئيس مجلس الوزراء، صاحب السمو ولي العهد ووزير الدفاع والقائد العام لقوة دفاع البحرين، أصحاب السعادة الوزراء... حضرات الزملاء الأعضاء والضيوف.. صدقوني اذا قلت لكم أنني كنت أؤثر أن أظل صوتا يرتفع بين صفوفكم، مناقشا ومحاورا، بحرية ودون قيد. لكنكم أبيتم إلا أن تغمروني بفضلكم فتختاروني رئيسا لهذا المجلس، الذي تشهده البحرين العريقة لأول مرة. فما كان مني إلا أن اقبل هذا التكريم، لأنكم شئتم ذلك ومشيئتكم من مشيئة الشعب الذي أوصلكم إلى هذا المجلس. وما اعتدت طوال حياتي إلا أن أكون حيث يريد الشعب أن أكون، فانا منه واليه".

وبعد ذلك، اطلع المجلس على المرسوم الأميري رقم (2) لسنة 1973، والمتضمن تشكيل الحكومة الجديدة... ثم انتقل الأعضاء لمناقشة تحديد مواعيد الجلسات.. فقد اقترح العضو جواد سالم العريض، وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، أن تعقد الجلسات.. فقد اقترح العضو جواد سالم العريض، وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، أن تعقد الجلسات، الساعة التاسعة، من صباح كل احد.غير أن العضو جاسم محمد مراد، اقترح أن يعقد المجلس، جلستين كل أسبوع، حتى يتمكن من إنجاز الأعمال والمهام الكثيرة التي تنتظره، فأشار العضو يوسف الشيراوي، وزير التنمية والخدمات الهندسية، بان يؤجل المجلس البت في تحديد عدد الجلسات الأسبوعية إلى جلسته القادمة، التي تقرر أن تعقد يوم الأحد التالي.فاستصوب المجلس هذا الاقتراح، وتم إقراره، ليعلن الرئيس رفع الجلسة، مشيرا إلى أن موعد الجلسة التالية، هو يوم الأحد 23 كانون أول/ ديسمبر عام 3791، في تمام الساعة التاسعة صباحا.
كيف عالج المجلس قانون امن الدولة
لم تكن جلسة الأحد التالي التي حددها المجلس تبشر ببداية موفقة.. فقد تأخر انعقاد هذه الجلسة، التي تعتبر أولى الجلسات العملية، في تاريخ المجلس، حوالي 45 دقيقة، عن موعدها المقرر بسبب ممارسات من بعض الأعضاء، ابتعدت بالمجلس عن دوره، وواجباته، ولم تكن مراعية للأعراف البرلمانية، المستقرة عالميا.
وقد أدت هذه الممارسات، إلى تعطيل بعض مهام المجلس، وكادت تودي به، لولا حنكة ودراية سمو الشيخ خليفة، الذي ظل يجاهد لإعادة الأمور، في الجلسات التالية، إلى نصابها.
واستمر الحال، بالمجلس، بين اخذ ورد، ودخول في مناقشات عقيمة، ومحاولات من بعض الأعضاء، لتعطيل دور المجلس، أو التدخل في صميم واجبات الحكومة. حتى نهاية انعقاد الدورة الأولى، من الفصل التشريعي الأول، حيث تم فض الدورة، إلى صباح الأربعاء 32 تشرين أول/ أكتوبر عام 4791، موعد الدورة الثانية.
وفي الموعد المحدد، التم شمل المجلس، في دورته الثانية، التي افتتحها صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، بحضور صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء، وصاحب السمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة ولي العهد ووزير الدفاع القائد العام لقوة دفاع البحرين، وفي نفس المبنى، مبنى بلدية المنامة، وبعد قراءة آيات من القرآن الكريم، نهض سمو الأمير معلنا افتتاح الانعقاد بكلمات قال فيها: "باسم الله تعالى، وبتوفيق من عنده، نفتتح دور الانعقاد السنوي الثاني من الفصل التشريعي الأول للمجلس الوطني".
لقد شهد هذا الدور، حالة من التوتر، ظلت مسيطرة على معظم جلساته، ومنذ البداية، وكان طرفا هذا التوتر، بعض أعضاء المجلس من جهة والحكومة ومؤيدوها من الجهة الثانية، ووصل هذا التوتر إلى الذروة، عند طرح قانون تدابير امن الدولة، الذي صدر في بداية تشرين أول/ أكتوبر من عام 4791، للنقاش.
وعن هذا القانون، وحيثياته، والنقاط الساخنة التي أثارت حدة الخلاف بين الحكومة، وعدد من الأعضاء المعارضين، سنورد شهادة العضو جاسم مراد، التي أدلى بها، في حديث صحفي لجريدة "القبس" الكويتية، نقلته عنها مجلة "المواقف" البحرينية الصادرة يوم 9 كانون أول/ ديسمبر 1974.
يقول السيد جاسم مراد: "لنتكلم بصراحة، وبمنطق الحياد الكامل بين المؤيدين والمعارضين، أن البحرين، لها وضع امني خاص، فهي جزر في بحر متلاطم الأمواج والاتجاهات، وسط كل أحداث الخليج ومؤثراته، فضلا عن احتمالات التسلل التي يمكن أن تهدد امن البحرين من الداخل، والتي تفرض في مجموعها ضرورة توفر حماية أمنية خاصة لهذه الجزر. وفي المقابل، فنحن في البحرين، قد بدأنا ممارسة ديمقراطية نرجو لها أن تستمر وتتدعم، والديمقراطية تسعى إلى مزيد من الحرية، وترفض أية قيود، وقانون امن الدولة الأمثل، هو الذي يوائم بين ضرورات الأمن الداخلي واعتبارات الحريات العامة، ونموها وتزايد الممارسة الديمقراطية، وفي رأيي أن الوصول إلى صيغة تحقق هذا التلاؤم ليست بالعملية الصعبة، لكن الذي أثار المناقشة، هو أن الحكومة قد أصدرت مرسوما بقانون امن الدولة الجديد، ويعني ذلك أن المجلس الوطني لا يملك سوى أن يرفض القانون ككل أو يقبله كلل، بعكس الحال، لو كانت الحكومة قدمت مشروعا بالقانون، إذ كان يمكن للحوار والنقاش البرلماني المتبادل بين الحكومة والمجلس، أن يعدل في بعض مواد القانون، بحيث يصل المجلس والحكومة، في النهاية إلى قانون متكامل يحقق الهدف الذي لا يختلف عليه اثنان".
ويضيف السيد مراد: "من ناحية أخرى، فلا شك أن القانون الجديد أفضل بكثير من القانون القديم، الصادر عام 5691، وهذا يدعم وجهة نظر الحكومة، في أنها تهدف إلى الصالح العام، وأنها لا تحاول التقليل من نطاق التجربة الديمقراطية، لكن البعض يرى أن القانون هذا، يتناقض في بعض مواده مع الدستور، والبعض الآخر لا يرى ذلك. ولو كانت لدينا محكمة دستورية لاستطاعت أن تحسم هذا الموضوع دستوريا، وتقول كلمتها النهائية، فيما إذا كان القانون متمشيا مع الدستور أم لا. لكننا لم نستكمل بعد، في البحرين، البناء الديمقراطي بكامل حلقاته، وعلى قمتها المحكمة الدستورية العليا".
وعن تقييمه للتجربة الديمقراطية النيابية في البحرين بعد سنتين من عمرها، يقول العضو جاسم مراد، مجيبا على سؤال لمحرر "القبس" بهذا الخصوص:
"لا شك أن الاتجاه الديمقراطي ضروري. ولا يوجد حل آخر غير الديمقراطية، فمشاكل الديمقراطية لا يحلها إلا المزيد من الديمقراطية، والمزيد من حرية الرأي، واعتقد أن التجربة الديمقراطية في البحرين كانت ناجحة، وإذا كانت هناك ملاحظات من البعض عليها، وعلى القضايا التي فجرتها، فإنني أود أن أحيط تقييم التجربة بمجموعة من العوامل التي يجب أن نضعها في الاعتبار حتى لا نظلم التجربة، وحتى ندرك أهميتها وحيويتها من ناحية أخرى. وأول هذه الاعتبارات أن البحرين ملتقى حضارات مختلفة غربية وعربية، وهندية وإيرانية وغيرها.كما أنها ملتقى لغات عديدة واديان متعددة. وملتقى تجارات وملتقى ايدولوجيات مختلفة أيضا. خاصة وان بعض الشباب البحريني تلقى تعليمه في الغرب وبعضه في الشرق وبعضه في الكويت وبعضه في مصر وبعضه في العراق... الخ. وكل ذلك جعل البعض يتأثر ببعض الاتجاهات وبعض الثقافات وبعض الايديولوجيات كذلك. وان كانوا جميعا لم يفقدوا طابعهم الوطني وحرصهم على الصالح العام المحلي والقومي.يضاف إلى ذلك أن بلدنا نامي بمعنى الكلمة، بكل اعتبارات التنمية، وما تتطلبه من استقرار. وثاني الاعتبارات المتصلة بالتجربة الديمقراطية للبحرين أن هناك 3 فئات تمثل 3 اتجاهات داخل المجلس الوطني،الأول هو الاتجاه اليميني. والثاني هو الاتجاه اليساري، لكنه لم يقيم بعد المرحلة التي نمر بها في اعتباره لتكون برامجه أكثر عملية، وملائمة لظروفنا الموضوعية والخاصة. والثالث هو الاتجاه الوسط، وهو اتجاه وطني تقدمي الآراء ليبرالي التفكير، يستطيع دائما تقديم الحلول العملية الواقعية دون تطرف. واعتقد أن نجاح التجربة الديمقراطية بالممارسة، هو اتجاه الطرفين المتطرفين "اليمين واليسار" إلى الوسط، والتقاؤهما عنده".
وفي نفس عدد صحيفة "القبس" نشرت مقابلة مع السيد علي صالح الصالح، عضو المجلس الوطني "وزير التجارة حاليا، وفي الحقيقة، فقد كنت أوردت وجهة نظر السيد علي الصالح، بهذا الشأن، في كتابي الأول "خليفة بن سلمان.. رجل وقيام دولة". وإذا أعيد عرض ما أدلى به السيد الصالح هنا، فذلك انه من وجهة نظري يعتبر واحدا من أفضل التحليلات عن تجربة المجلس الوطني في البحرين. يقول السيد علي الصالح: "لا توجد تجربة -أي تجربة- بدون سلبيات. وسلبيات تجربتنا، كانت متوقعة، مع حداثة التجربة، ونقص الخبرة والممارسة، وانفتاح المجتمع ككل على الحرية الديمقراطية والنيابية، خاصة وان ممارسة الحرية تفتح الشهية لمزيد من الديمقراطية.
وقبل أن احدد على سبيل المثال بعض السلبيات التي أحسسنا بها، ولمسناها خلال الدورة بالحوار الديمقراطي الموضوعي البناء. أما ابرز هذه السلبيات فهي:
* بالنسبة للمجلس الوطني، كان هناك ولا شك نهم وتعطش وإفراط في المناقشة، حتى في بعض القضايا غير الأساسية، مما أدى إلى عرقلة الكثير من المشروعات الحيوية ومشروعات القوانين المطروحة.
* بالنسبة للحكومة، باعتبارها السلطة التنفيذية، لم تكن متعودة بعد على توجيه العديد من الانتقادات لها، من النواب، مما سبب بعض الحساسيات في البداية، لكنها سرعان ما انقشعت، وتعود المسؤولون على تقبل النقد، بل ترحيب البعض به بصدر رحب.
*بالنسبة للشعب، كان غالبية الأفراد متعجلين، مطالبين بتحقيق كل ما يهفون إليه، خاصة وان فترة الانتخابات حفلت بانهيال الوعود من المرشحين بصورة جعلت البعض يشعر بخيبة أمل لعدم تحقيق الكثير من تلك الوعود.
وفي اعتقادي، أن الأسباب الهامة التي أدت إلى ظهور الخلافات في المجلس الوطني، لا تعود إلى نقاط الاختلاف بين الحكومة، وأعضاء المجلس، والتي لا ننكر أنها كانت موجودة، ولكن ليس بالشكل الذي يصوره البعض، وفي اعتقادي، والحديث ما زال للعضو علي صالح الصالح - أن التصنيف الايدولوجي لتكتلات المجلس الوطني، هو الذي كان له الدور الأكبر في الاختلافات داخل المجلس، حيث أن الأفكار تختلف بين الأعضاء في معظم الأحيان بنسبة 081 درجة، وعلى الرغم من أن الجميع يعرفون توزيع هذه التكتلات غير الرسمية، إلا أن هذه التسميات والتوزيعات، تكتب في الصحف أو تقال في الأحاديث فقط..".
أطياف سياسية متناقضة
وعن هذه التصنيفات التي أوردها العضو جاسم مراد، سابقا ثم تطرق إليها العضو على صالح الصالح، نقلت مجلة "المواقف" في عددها الصادر يوم 01 آذار/ مارس 5791، عن صحيفة "القبس" الكويتية، رؤية لأحد أعضاء المجلس، من تكتل الوسط- لم تكشف الصحيفة عن اسمه- يقول فيها: "أن تكتل الوسط، هو أكثر التكتلات الثلاثة بالمجلس الوطني من الناحية العددية، فهو يضم 41 أو31 عضوا. هم: علي صالح الصالح، رسول الجشي، جاسم مراد، حمد ابل، إبراهيم فخرو، حسن الخياط، عبد الله منصور، علوي الشرخات، يوسف كمال، خليفة البنعلي، خليفة الظهراني، محمد عبد الله هرمس، علي إبراهيم.
أما العضو الرابع عشر - والتعليق للصحيفة فهو أما الشيخ إبراهيم آل خليفة، الذي يعتقد مراقبون انه يتأرجح بين هذا التكتل، وبين التكتل الذي أطلق على نفسه تكتل الشعب، أو تكتل الشيوعيين. كما وصفتهم صحيفة "الأضواء" البحرينية في أكثر من مناسبة، ولم يعترضوا على هذه التسمية.وإما أن يكون العضو الرابع عشر، هو رئيس المجلس الأستاذ حسن الجشي، والذي يهدف التكتل من عدم إيراد اسمه بين أعضائه، إلى تحييده تجاه التكتلات الثلاثة في المجلس الوطني.
ويضيف عضو تكتل الوسط: "هناك اتصالات حالية، لاستقطاب أعضاء آخرين من التكتلين الآخرين، بضمهم إلى التكتل. ومن الواضح أن هذا التكتل يضم بين أعضائه، من كان سابقا الصق بالإسلاميين، بل أن بعضهم أعطى تعهدا لناخبيه، أن يقف إلى صف الإسلاميين في المجلس".
يوضح: "سبق أن أبدى الزميل حمد آبل اعتراضه على تسمية التكتل بالوسط، وذكر أن التعبير استخدمته الصحافة للتمييز بين التكتلات، حيث قسمت الاتجاهات داخل المجلس الوطني، إلى اليسار واليمين، ولم يبق سوى الوسط بين اليمين واليسار" ولا شك أن اتجاه الصحيفة إلى هذا التبسيط غير الدقيق في المسميات كان الهدف منه، أو السبب فيه راجعا إلى تلافي إطلاق
و المسميات الحقيقية على التكتلات الثلاثة. تلك المسميات المعبرة عن حقيقة التصنيف الأيديولوجي لها، نظرا لأنه، لا البحرين ولا المنطقة مستعدة أو مهيأة للقبول به على الأقل في هذه المرحلة من تطورها السياسي والديمقراطي. ومن هنا كان تلافي الحرج، وتوخي السهولة بإطلاق هذه التسميات العامة غير الدقيقة، والتي تحتمل الكثير من النسبة لمسميات اليمين أو اليسار، أو الوسط أيضا".
هنا، ربما يستوجب حديث العضو الوسطي، بعض الإضاءة، والتفسير، وخاصة للذين لم يعاصروا تلك المرحلة، فاليمين كان يطلق على أصحاب الاتجاه الإسلامي، وقد استخدمت الصحافة هذه التسمية تحاشيا من إطلاق الاسم الصريح -أيديولوجيا.. أما تسمية اليسار، فإشارة إلى مجموعة أعضاء أطلقوا على تكتلهم اسم "كتلة الشعب" وهم من أصول عقائدية شيوعية، وقومية، وماركسية أو اعتنقوا الماركسية مؤخرا. ويبقى الوسط، أو الذين أطلقوا على أنفسهم "التكتل التقدمي الديمقراطي" وهؤلاء على ما ترى الأوساط السياسي التي عاصرت تلك الفترة، من البعثيين، والتجار.. وأطلقت الصحافة عليهم وصف الوسط، تمييزا لهم عن الماركسيين والإسلاميين.
كان هذا، هو المشهد السياسي، العام، الذي يستقطب اهتمام الناس، في تلك الفترة.. وهو المشهد الذي أكسبته صراعات ومداولات المجلس الوطني، لونا من الإثارة، في نظر بسطاء الناس، فيما كان أصحاب الوعي السياسي، يرون فيه دلالة على فشل هذا المجلس، وانغماسه في قضايا جدلية، ساهمت بتعطيل مسيرة العمل الوطني، ولم تقدم للبحرين، سوى المزيد من الأيام الصعبة، التي وان كانت تشكل خطورة على حاضر البحرين تلك الأيام، إلا أنها كانت دائما تجد في مواجهتها حكمة الشقيقين: عيسى وخليفة، وقدرة الأول على احتواء كل هذه الخلافات والاختلافات بحنان الأب، والوالد، واقتدار الثاني على وضع الأمور في نصابها، وامتلاك زمام المبادرة، بفض النزاعات، أو على الأقل تنحيتها جانبا، لتستمر مسيرة البناء والتقدم.
ماذا يحدث في البحرين
لم تكن نسمات نيسان/ ابريل، اللطيفة، وأجواؤه الربيعية، كافية، لتخفيف سخونة الأجواء في المجلس الوطني، وتاليا في البحرين وخاصة عندما أبدى بعض الأعضاء توجهات لدفع الدولة نحو تطبيق بعض الأنظمة الاشتراكية، وهي التوجهات التي وقف أعضاء آخرون ضدها، بشراسة، مما أحال ساحة المجلس إلى ميدان صراع حقيقي، ومن خلال بحثي في أوراق هذه السنة، سأنقل فيما يلي الافتتاحية التي صدرت بها مجلة "المواقف" في عددها يوم 14 نيسان/ ابريل عام 1975، والتي كتبها رئيس التحرير، وعضو المجلس الوطني، وأمين سره الأستاذ عبد الله المدني، بعنوان "الملكية ورأس المال بين الأهواء والأمزجة".
يقول المدني: "عندما اخذ بعض أعضاء المجلس الوطني، في مناقشة سياسة الدولة الاقتصادية بالتلميح والتلويح بحسنات ارتباط اقتصاد البحرين بالاقتصاد الشيوعي، وكيف أن الوزير السيد يوسف الشيراوي احتج على السيد علي ربيعة، بالمادة التاسعة من الدستور، التي لا تجيز إتباع النظام الاقتصادي والاشتراكي والشيوعي، قال الشيخ عبد الأمير الجمري: بهذه المناسبة أوجه سؤالا للزميل، وسؤالا للوزير.
أما في سؤالي للزميل علي ربيعة، فهو: ما هو محل الدعوة إلى ابتداء رحلة المغادرة عن الرأسمالية إلى الاشتراكيةوما هو محل هذه الدعوة من المادة التاسعة بند (أ) من الدستور، والتي تنص: الملكية ورأس المال والعمل، وفقا لمبادئ العدالة الإسلامية، مقومات أساسية لكيان الدولة الاجتماعي وللثروة الوطنية... الخ. ولماذا عدل الزميل عما تدعو إليه المادة التي اقسم على احترامها حينما اقسم على احترام الدستور!! أما سؤال للوزير فهو: ما مظاهر تمسك الحكومة الموقرة بالمادة المذكورة التي تقضي بان تأخذ الحكومة بالتشريع الإسلامي في المجال الاقتصادي هنا، تذهب الذاكرة إلى قصة هذه المادة في المجلس التأسيسي، وكيف وجدت في الدستور. كانت المادة في أصلها المقدم من الحكومة، لم تحدد المبدأ الذي تسير عليه دعائم الاقتصاد في البلاد. وقدمت "الكتلة الوطنية الديمقراطية". تعديلا يجعل توجيه الاقتصاد بحسب الأهواء والأمزجة، بحيث بنت دعائم الاقتصاد على عبارة مطاطة يستطيع أن يستغلها الرأس مالي والشيوعي والإسلامي على حد سواء، فقالت: الملكية ورأس المال والعمل، وفقا لمبادئ العدالة الاجتماعية مقومات أساسية لكيان الدولة... الخ.
هذه العبارة: العدالة الاجتماعية، التي وان كان كل إنسان يقول بها، إلا أنها ليس لها تحديد ولا مفهوم متفق عليه عند البشر، وقد حذر الإسلاميون في المجلس التأسيسي الحكومة من خطورة هذه العبارة التي كثيرا ما تستعمل لدى اليسار لتوجيه الاقتصاد الوجهة الشيوعية، التي هي خطر على النظام والبلاد بصورة عامة. وتقدم الإسلاميون بالتعديل الذي فاز، بالتصويت عند صياغة الدستور، فأصبحت المادة: الملكية ورأس المال والعمل، وفقا لمبادئ العدالة الإسلامية مقومات أساسية لكيان الدولة الاجتماعي وللثروة الوطنية.
وعندما وافقت الحكومة على تعديل الإسلاميين، وصوتت إلى جانبه، انسحب السيد علي سيار، والسيد رسول الجشي احتجاجا على موقف الحكومة. وهذا الإطار الذي اطر به الإسلاميون توجيه الاقتصاد، قد أغلق فعلا على اليسار الشيوعي، من أن يجرؤ بمطالبته الصريحة بالاشتراكية الشيوعية. كما انه في نفس الوقت، منع من السير والتمادي في ركاب الاقتصاد الرأسمالي.
هذا، ما اعترف به أمين سر المجلس، الذي ينقل لنا، معلوماته من الداخل.. وهو يشير إلى ما تأكد لدى جميع البحرينيين، بأن بعض الأعضاء في المجلس الوطني، يعملون على سحب الأنظمة نحو الاشتراكية، والشيوعية، وهذا احد ابلغ الأخطار التي بدأت تعرقل مسيرة البلاد، وتعد بخطر داهم، ستوضع البلاد بين فكيه، إذا ما ترك المجال لبعض الأعضاء، الذين استغلوا الحصانة البرلمانية، للتصريح علنا من خلال منبر مجلس الشعب البحريني، عن توجهات، لا تتناسب وشعب البحرين، وتاريخها، وعقيدتها، ولا تتناسب مع المنطقة. وهذه الناحية، ليست إلا جزءا من سلسلة طويلة جدا، من القضايا التي خاض فيها المجلس الوطني، منقسما على نفسه أحيانا، تجاه دعوة من داخله، أو تجاه قرار أو موقف أو توجه حكومي.
ولعل قصة قانون تدابير امن الدولة، تستحق أن تكون نموذجا، للأسلوب الذي ساد جلسات المجلس الوطني، والحساسية، والحدة والسخونة التي غلبت على نقاشات الأعضاء.
ما هي قصة هذا القانون وكيف بدأت والى ما انتهت وما هي تداعياتها تعالوا بنا إلى وثائق المجلس نفسه.
قبل يوم الأحد 8 حزيران/ يونيو عام 5791، كان ثمة شعور لدى معظم المواطنين في البحرين، بان الجلسة المقرر عقدها يوم الأحد، ستكون من اخطر جلسات هذا المجلس على الإطلاق، وكان الاعتقاد صادقا، ثم أثبتت الحيثيات التي سبقت الجلسة، أكثرمن ذلك، فقد كان من المنتظر أن يناقش المجلس، قانون تدابير امن الدولة، الذي وضعته الحكومة، وصدر بمرسوم أميري، وهذا يعني انه دخل حيز التنفيذ.
وكانت الحكومة، تدرك أن نفوس بعض الأعضاء مشحونة ضد هذا القانون، ولذلك، فقد طلبت تأجيل عرضه ومناقشته، إلى جلسة أخرى. وبالمقابل أصر عدد من الأعضاء، على عدم التأجيل، والبت في إصدار المرسوم للمصادقة على القانون حالا، في حين أخذت لجنة الشؤون الخارجية والداخلية والدفاع، موقفا رافضا من القانون، وطلبت من المجلس عدم الموافقة عليه.
إذن كان هناك ثلاثة أقطاب، متعارضة اصطدمت منذ بدايات الجلسة، التي شهدت حضورا شعبيا مكثفا. ومنذ الساعة التاسعة، موعد بداية الجلسة، وحتى الساعة الثانية عشرة، لم تكن الجلسة، قد انعقدت رسميا، فيما كانت تجرى المداولات بين الحكومة من جهة، وأعضاء المجلس، من جهة أخرى للوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف.
وفي النهاية، التزم كل طرف بموقفه، فانسحبت الحكومة بكامل هيئتها، مما يعني عدم انعقاد الجلسة.
قبل ذلك، وفي الساعات الثلاث الحرجة، كانت الحكومة، تحاول بكافة الطرق، كسب مواقف عدد من الأعضاء الذين تلمست فيهم المرونة، وهي وان كانت سجلت نجاحا مع بعض هؤلاء، إلا أن اجتماعاتها بأعضاء الكتلة الإسلامية، انتهت إلى الفشل، حيث رفض أعضاء الكتلة، تبريرات الحكومة بضرورة تأجيل مناقشة القانون.
وفيما بعد، كشف احد أعضاء المجلس، أن الحكومة، في محاولاتها الحثيثة، لإقناع أعضاء الكتلة الإسلامية، بضرورة تأجيل القانون، وعدت بدراسته، مرة أخرى، وتعهدت مبدئيا بسحبه، إلا أن أعضاء الكتلة الإسلامية، أصروا على موقفهم، وأشاع بعضهم، أن افتعال الحكومة لهذا الموقف، دليل على شعورها بأنها قد خسرت ورقة رابحة، كانت طيلة انعقاد الدور الأول، ملك يديها!!
وردا على موقف الحكومة، وانسحابها، طلب الأعضاء، الاجتماع في قاعة المجلس، لتسجيل تحفظهم على غياب الحكومة. وفي هذا الاجتماع، ذكر رئيس المجلس، أن الجلسة تعتبر غير رسمية، وغير قانونية، لعدم وجود الحكومة، أو من ينوب عنها.
في الواقع لم تكن تلك، بداية قصة قانون تدابير امن الدولة، فثمة جذور، للقصة، تعود إلى 31 تشرين أول/ أكتوبرعام 1974 ففي ذلك اليوم، أحال رئيس المجلس، هذا القانون، بالمرسوم الصادق عليه، إلى لجنة الشؤون الخارجية والداخلية والدفاع، لمناقشته، وبيان الرأي فيه. وعقدت اللجنة أربع جلسات عمل، استأنست فيها برأي كل من وزير الداخلية، ومستشار الوزارة السيد محمد لطفي محمد رفعت، وفي الرد على استجوابات اللجنة، أوضح الوزير، لأعضاء اللجنة الدواعي التي أوجبت إصدار المرسوم، وشرح بعض مواده، التي كانت محل تساؤل من الأعضاء، وذلك خلال اجتماعين اثنين، انعقدا بتاريخ 7 و 25 تشرين ثاني/ نوفمبر عام 4791.
لقد أثار هذا القانون، نقاشا حافلا، في المجلس وعلى النطاق الشعبي، ويؤكد المطلعون على خلفيات الأمور، آنذاك، أن اتفاقا جرى إقراره بين الأطراف المعنية في المجلس، لتأخير عرضه على المجلس، حتى تتاح الفرصة لمزيد من الحوار، بين جميع الأطراف، حول حيثيات هذا القانون، الشهير، الذي كان له فيما بعد أثار على التجربة الديمقراطية في البحرين، بما أحدثه من نقاشات.
لقد عبر الأستاذ طارق المؤيد، وزير الإعلام آنذاك، عن رأي الحكومة، بشأن هذا القانون، في مؤتمر صحفي عقده يوم الاثنين 16 حزيران/ يونيو عام 5791 فقال: "تود الحكومة إيمانا منها بالأسلوب الديمقراطي الذي ارتأيناه جميعا مسلكا وطريقا في حياتنا السياسية، ومنهجا في التعامل بين الشعب وسلطات الحكومة، أن تبين للمواطنين وتجلي لهم الخفيات التي دعتها إلى ممارسة حقها في الامتناع عن حضور جلسة المجلس الوطني صباح أمس الأحد.
إن الحكومة وهي الحريصة على صيانة الحياة الديمقراطية في ظل الدستور، قد دأبت على إعادة النظر في كافة القوانين المطبقة لتكون متفقة مع الدستور، وقد لمست الحكومة تحفظات من أعضاء المجلس الوطني على قانون الأمن العام لسنة 6591 واستجابة من الحكومة لتلك الرغبة وسياساتها، فقد أعدت مسودة قانون راعت فيه وجهات نظر أعضاء المجلس الوطني ووازنت به حاجة البلاد إلى قانون ورقابة قضائية تضمن عدالة تطبيقه.
ثم قامت الحكومة أثناء عطلة الصيف باستشارة كل أعضاء المجلس الوطني، وجرت مناقشة لمواد المرسوم بقانون تدابير امن الدولة قبل إصداره، وأدخلت عليه تعديلات تتفق والاتجاهات المختلفة، حتى أصبح بالصورة التي صدر بها. فكان معبرا عن كافة الآراء التي طرحت أثناء مناقشته. وقد أصدرته الحكومة بمرسوم، بعد أن استشفت رغبة في ذلك، تحقيقا لتبسيط خطوات إصداره، ولحاجة البلاد إليه. وبذلك يكون إصدار المرسوم قد استوفى الشروط القانونية والدستورية.
إلا انه في مطلع الدورة الحالية، لمست الحكومة رغبة من بعض الأعضاء في إعادة النظر في المرسوم بقانون، وإيجاد أسلوب آخر لتطبيق بنوده، فكان أن اتفق على تأجيل الموضوع، حتى يفسح المجال للحكومة لإعادة النظر، ببعض مواد القانون، والتوصل إلى صياغة نصوص تتحقق بها المصلحة العليا للبلاد، وتتفادى كل ما من شأنه أن يؤثر على العلاقات بين السلطتين، أو يؤدي إلى الإضرار بمصلحة البلاد التي نحرص جميعا عليها. وقد بقي الوضع حسب هذا الاتفاق حتى الأسبوعين الأخيرين، حيث فوجئت الحكومة برغبة أعضاء المجلس لاعتبارات وعوامل مختلفة أن يطرح الموضوع لمناقشته داخل المجلس خلال هذه الدورة، ونظرا لحساسية هذا الموضوع وأهميته، لا بالنسبة للبحرين فحسب، وإنما بالنسبة لأمن المنطقة كلها، ولعدم وجود أي مصلحة في أن يطرح في جلسة علنية، حيث لا يستفيد من ذلك سوى أعداء هذه البلاد، ومن يرغب تفويض دعائم الاستقرار والرخاء، في هذه المنطقة باتخاذه وسيلة لذلك، ولرغبة الحكومة الأكيدة في التعاون مع المجلس الوطني، والاتفاق على النقاط الأساسية بعيدا عن جو المزايدات، فان الحكومة قد فضلت تأجيل جلسة المجلس الوطني حتى يتسنى للجميع الاتفاق على صيغة مقبولة تحفظ للبلاد أمنها وللسلطتين روح التعاون والتفاهم.
أما الأستاذ جواد سالم العريض وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء آنذاك، فيوضح الخلاف بين الحكومة وبعض أعضاء المجلس، في لقاء نشرته مجلة "المواقف" الأسبوعية، في عددها الصادر يوم 23 حزيران/ يونيو عام 1975، نقتبس منه، هذا الحوار، الذي دار بين العريض ورئيس تحرير المجلة، عضو المجلس الأستاذ عبد الله المدني:
سؤال:ما هي الحكمة من عدم حضور الوزراء، لاجتماعات المجلس الوطني، وبالتالي تعطيل جلساته لثالث مرة
جواب:أريد أن أوضح أن الحكومة حريصة كل الحرص على الحفاظ على الديمقراطية. وأي تصدع للديمقراطية في هذه المرحلة القصيرة من عمرها، الذي لا يتجاوز السنتين سيكون له مردود سيء. والحكومة حريصة كل الحرص على نجاح التجربة والإبقاء عليها... في أول مرة حضرنا المجلس، ووجدنا أن الجو غير صالح لمناقشة المرسوم. هذا المرسوم الذي يناط به توفير الضمانات الأساسية لاستقرار وامن البلاد، لذلك رأت الحكومة عدم الحضور للوصول إلى صيغة ترضي جميع الأطراف بعيدا عن التشنجات والانفعالات، وفي جو من الهدوء والتروي. ورغم عدم حضور الحكومة لجلسات المجلس إلا أن الاتصالات مستمرة مع الأعضاء.
سؤال:لقد تقدم ممثلون عن كتل المجلس بصيغة للخروج من الأزمة، بينما لم تتقدم الحكومة بمثل ذلك فما هو تعليقكم على هذا
جواب:غير صحيح. أول من تقدم بالصيغة حول الموضوع، هو الحكومة، عندما طرحت موضوع إعادة النظر في القانون في فترة الصيف، حيث وعدت المجلس بإعادة النظر في القانون والتوصل إلى صيغة أخرى تحفظ للبلد الاستقرار والأمن في ظل قانون يتمتع برضي الجميع.
سؤال: توصل ممثلو الكتل مع الوزراء، إلى جميع النقاط التي تحفظ كرامة المجلس، والحكومة، وبقيت نقطة واحدة فقط لم توافق عليها الحكومة، وهي إعطاء صفة رسمية للنقاط المتفق عليها، فما هو تفسيركم لرفض الحكومة
جواب:أولا، الحكومة لم ترفض مناقشة الصيغة التي تقدم بها ممثلو الكتل، والحكومة وافقت على نقطتين منها حضور جلسة علنية مع الإدلاء ببيان تعد فيه بإعادة النظر في القانون خلال فترة الصيف.وجاء تشدد الأعضاء على النقطة التي تريد تسجيل محضر وتوقيع الحكومة على صيغة الاتفاق. وتعتقد الحكومة أن هذا ليس أسلوبا للتعاون بين السلطتين، لأنه لا بد من توفر الثقة المتبادلة، وسبق أن حدث مثل ذلك في المجلس التأسيسي، عندما كان يختلف الأعضاء مع الحكومة، حول مادة ما، فيعيدها المجلس للحكومة لصياغتها من جديد. وان التشدد في طلب توقيع كتابي غير منسجم مع روح التعاون، لذلك رأت الحكومة، تأجيل المسألة إلى الصيف حتى تتاح الفرصة للجميع للوصول إلى صيغة تكون مقبولة من جميع الأطراف.
هكذا قيموا التجربة من خلال هذه التصريحات، والإجابات، يمكن أن نصل إلى أكثر من حقيقة.. وواقعة:
فالحكومة، ظلت حريصة على الوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف، وهي استمرت في إجراء لقاءاتها ومباحثاتها، وتقديم الصيغ الوسطية، والحلول التي تحفظ للمجلس هيبته، واستقلاله، بنفس الوقت الذي كانت تمارس فيه حقها، بحضور جلسات المجلس، أو الامتناع عن ذلك، بغية الوصول إلى اتفاق.
والحكومة، لم تحاول مصادرة قرار المجلس، ولا مصادرة حريته، عندما طلبت سرية جلسات المناقشة، فلكل دولة خصوصياتها، وأسرارها، ومتطلبات الأمن فيها، وهو على العموم اجتهاد من الحكومة، لم يكن جديرا بهذا الموقف المتشدد، والقصير النظر، من السادة أعضاء المجلس. لقد استمر الرفض الحكومي، لحضور الجلسات على مدى ثلاث جلسات متتالية، وظل طريق الحوار مفتوحا،ومع ذلك، لم يكن هناك أي تنازل، من اجل سلامة وامن البحرين، من قبل السادة أعضاء المجلس.
لماذا فعل المجلس ذلك وما هي المكاسب التي كان الأعضاء المتشددون سيحققونها من مناقشة القانون بصورة علنية بل هل ثمة مكاسب أصلا، من علنية النقاش في قانون يعتبر من اخطر قوانين الدولة، وأكثرها مساسا بمتطلبات الأمن لنقرأ رؤية عضو من أعضاء المجلس يشهد له الجميع، وتاريخه، بالوطنية والحياد، والقدرة على التحليل بموضوعية، يقول الأستاذ جاسم مراد، في تصريح خاص لمجلة "المواقف" صدر في عدد يوم 16 حزيران/ يونيو عام " :1975كان من المفروض بالمجلس، أن يتفهم الأوضاع الأمنية، في المنطقة، ويحاول تحمل المسؤولية الملقاة على عاتقه، وان يطرح الأمر في المجلس، بعد الاتفاق مع الحكومة على نوعية الطرح، خاصة وانه بدأ يظهر نوع من التحدي من قبل أعضاء المجلس والمزاودات فيما بينهم!!!
"نحن شعب صغير، يعيش في منطقة حساسة، علينا تقييم الأوضاع وتقييم قوتنا، ومقدرتنا على الأخذ والعطاء. وتجربتنا الديمقراطية تجربة خاصة. وقوة الحكومة من قوة المجلس، وقوة المجلس سند للحكومة وللوضع في البحرين. الحكومة بررت انسحابها بأنها تريد مزيدا من الحوار، ونحن لا نختلف معها في ذلك، وان كنا نحبذ استمرار الجلسات حتى وان اقتنعنا بتأخير طرح موضوع قانون تدابير امن الدولة".
أما عضو المجلس، وأمين السر فيه، ورئيس تحرير مجلة "المواقف" فيقول في افتتاحية عدد المجلة الصادر بتاريخ الأول من أيلول/ سبتمبر عام :1975"ماذا يجري في البحرين هل هي ثورة على المجلس الوطني هل هي ثورة على تركيبة المجلس الوطني المعقدة، وثورة على المعوقات من انطلاق الحكومة في الدستور وقانون الانتخابات"
هكذا، يلخص الأستاذ المدني، الحيرة التي كانت تملأ فضاء البحرين، تجاه ما يجري:
ماذا يجري في البحرين
ثم يجيب على ذلك، بنفسه، ومن منطلق خبرته، ووقوفه على ما وراء الظاهر للناس، من الأمور... فيقول:
"في المجلس الوطني المنحل، هناك من استغل مركزه النيابي لمصالحه الشخصية.. وفي المجلس الوطني المنحل من كان هدفه إثارة المشاكل وليس حل المشاكل... إن النائب الأمين المخلص لا يعمل لمصالحه الشخصية على حساب المصالح الشعبية، ولكن قد ينخدع الشعب ويختار غير الأمين. ولكن الشعب يراقب ويحاسب، وبإمكانه أن يبعد النوعيات غير المخلصة لقضاياه.. هل يتحمل المجلس الوطني المنحل كل أخطاء التجربة البرلمانية ألا يتحمل معه أيضا المواطن الذي أساء اختيار ممثليه، أو تهاون في الانتخابات وترك الحبل على الغارب ألا تتحمل أيضا أجهزة الدولة التي وضعت قانون الانتخابات ووضعت مسودة الدستور الكل يتحمل نصيبه من الخطأ، والكل يجب أن يتحمل نصيبه في إصلاح الخطأ كذلك".
الشيخ خليفة ينقذ المركب
كان سمو الشيخ خليفة بن سلمان، يواصل مشاوراته، ويصل الليل بالنهار، محاولا الخروج بالبلاد من هذه الأزمة الطاحنة. وبشهادة الجميع، فان سمو رئيس الوزراء، ظل حتى اللحظة الأخيرة، يراهن على أن عناد هؤلاء المعارضين، سيلين أمام مصلحة البحرين، وخير البحرين، واستقرار أمنها، وضمان مسيرة البناء فيها. غير أن فراسة الرجل، ربما لم تخنه، إلا هذه المرة.
ولقد تنازل هذا الرجل الذي لا يعرف التنازل، تنازل من اجل صالح البحرين. ومن اجل الحفاظ على المسيرة الديمقراطية. ولكن، حتى التنازل، لم يسعفه، وهو يراقب ما بنته البحرين عبر السنوات الصعبة، يكاد أن يذهب طعما لتجربة لم تتكرس، بعد، ولم تكتمل، ولم تنضج.
وكان القرار بين يدي سمو أمير البلاد، الذي كان يراقب الأمور، والأحداث، برؤية الوالد المشفق على أبنائه، وبحكمة القائد، الواثق من امتلاكه للزمام، والدفة. كان المجلس "ذو تركيبة معقدة" كما يعترف بذلك احد أعضائه. وكان المجلس، يضم "من كان هدفه إثارة المشاكل". كما يعترف عضو آخر.وكان في المجلس، من "يظهر نوعا من التحدي" كما يقول عضو ثالث. فهل كان على البحرين، أن تدفع ثمنا فادحا، لقاء كل ذلك كان هذا هو السؤال.
واختار سمو الشيخ خليفة بن سلمان، أن يجيب على هذا السؤال، ولكن على طريقة الفارس، الذي يكابر الجراح، في سبيل القضية التي يحمل. ومن اجل بقاء البحرين، ومن اجل الإبقاء على هيبة الدولة، وهيبة الديمقراطية، قرر سموه الاستقالة من منصبه.
ففي الرابع والعشرين من آب/ أغسطس عام 1975، تقدم سمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، رئيس الوزراء، من سمو أمير البلاد بخطاب شامل، صريح،يعتبر وثيقة بحرينية غالية عزيزة، إذ أوجز فيه سموه، مجمل الملابسات العالقة، في طريق مسيرة البحرين الفتية.
وجاء في كتاب سموه: "عقب الظفر بالاستقلال"، رأيتم -وشاركناكم الرأي- إن شعبكم الوفي، جدير بان يشارك في الحكم، رأيا ومشورة. وإذ أصدرتم الدستور وأجريت الانتخابات وأسفرت عن المجلس الوطني الحالي، ظننا أننا واجدون فيه من تقدير لمصلحة البلاد العليا وسلامة وحدتها الوطنية ما يعين الحكومة على أداء واجبها نحو الوطن واجتياز مرحلة ما بعد الاستقلال بسلام.
ولقد شرفتموني إذ ذاك، بثقتكم الغالية، فأمرتموني بتأليف أول وزارة في هذا العهد الجديد، وخضعت للأمر، راضيا ومطمئنا لان أمركم مطاع، ولان الوطن يقتضيني أن لا أتأخر في حمل التبعة. وقبل الاشتراك معي في الوزارة زملاء لي، لا يتطرق الشك إلى همتهم العالية، ووطنيتهم الصادقة، وحرصهم البالغ على سلامة البلاد، ورفاهية شعبها، ومضينا معتقدين بعد رعاية الله، بتأييدكم، جاعلين اكبر عنايتنا في سياسة شؤون البلاد، إسباغ الطابع القومي عليها، والتمسك بالوحدة الوطنية.وعملنا جهد طاقتنا في التوفيق بين مختلف المنازع، لتوفر للبلاد نظام حكم، يطمئن الجميع إلى إنصافه، وتجريده عن الهوى مقدرين أن البحرين العزيزة تنشد من الجميع أن يقدسوا حقها عليهم، فيتوجهوا بقلوبهم نحوها، ويذكروا دائما أن مصلحتها العليا، فوق كل مصلحة.
وكانت الوزارة قد أخذت على عاتقها استكمال التشريعات الضرورية اللازمة لمرحلة الاستقلال، وان تفيد جهد الطاقة من خيرات منطقتنا، فتواكب النمو السريع الذي يغشى الخليج كله، وان تعمق الشعور بالوحدة الوطنية، فيصير أبناء الوطن بناءا واحدا يشد بعضه بعضا.ولكن الوزارة لم تجد من المجلس الوطني عونا لها في ذلك، رغم محاولاتنا المخلصة التي بذلناها خلال عامين، إذ سادت مناقشاته أفكار غريبة عن مجتمعنا وقيمنا. طرحت السمو اللازم للدولة، واتجهت إلى الإثارة والاهاجة والتحريض، والمزايدة، وعملت على بث الفرقة وروح الكراهية غير مقدرة للضررالذي يعود على الوحدة الوطنية من جراء ذلك، وقد لوى كل هذا الحياة النيابية عن مقصدها السليم، وحجب جو المزايدة الآراء المعتدلة عن أداء دورها الفعال، ومن ثم لم تستطع الحكومة إنجاز ما كانت تأمل إنجازه من التشريعات والمشروعات التي تعود بالنفع المباشر على المواطنين.وقد انتهز البعض ممن لا يعتنق مبادئنا ولا يؤمن بمثلنا كل هذا الذي حدث، فراح يعمل في الخفاء على تحقيق مآرب معتقداته.
أجلت النظر في الوضع القائم، فلم أجد بدا أن ارفع إلى سموكم استقالة الوزارة، لتتفضلوا بتدبير الأمر، بنافذ نظركم، وجليل غيرتكم على مصالح البلاد، شاكرا لكم ما تفضلتم به علي وعلى زملائي من كريم التأييد، وما زلت لكم المخلص الوفي الأمين... وتفضلوا سموكم بقبول فائق التحية وعظيم الاحترام".
وفي اليوم التالي، صرح صاحب السمو الشيخ خليفة، لمجلة "المواقف" مؤكدا ما جاء في كتاب الاستقالة وقال في هذا التصريح: "إن شعب البحرين أصبح قادرا على الإسهام في تطوير الحياة سواء في وطنه أو في المنطقة كلها".
أما عن ملابسات الخلاف مع بعض أعضاء المجلس الوطني، فقال سموه كلمته الشهيرة:"نحن لا تزعجنا الديمقراطية، بمفهومها الصحيح، ونحن هنا كحكومة نعترف بأخطائنا أولا بأول، ونقبل النقد البناء، والمشورة بيننا في كل الأمور، غير أننا لا نقبل أن تتحكم فينا الاتجاهات الدخيلة، والسياسة في نظرنا -وهو ما نؤمن به- هي العمل المنتج من اجل كل المواطنين على اختلاف مواقع حياتهم".
"إنها ليلة لم تنم فيها البحرين"
هكذا يقول الذين عاصروا تلك الليلة، واقتربوا من ضمير الشعب، والمواطنين، في الشارع البحريني، أو في البيوت، أو في مواقع العمل، فلم يكن خبر الاستقالة عاديا، ولم تكن رسالة سمو الشيخ خليفة بن سلمان عادية.
أما سمو الشيخ عيسى بن سلمان، أمير البلاد، فثقته بشقيقه، ورفيق دربه، وروحه، مطلقة. وقد حان أن ينتصر له، فكان رده شافيا، إذ حمل الأمر الأميري رقم 2 لسنة 1975، والصادر بتاريخ 24 آب/ أغسطس، إشارة واضحة، إلى نية الأمير، تكليف سمو الشيخ خليفة، بتشكيل الوزارة التالية وجاء في الأمر الأميري:
"صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس مجلس الوزراء المحترم
اطلعنا على كتابكم المرفوع إلينا باستقالة الوزارة للأسباب التي ابديتموها فيه. وإنا لمقدرون لها، وشاكرون لكم و لحضرات الوزراء زملائكم، صدق إخلاصكم وما أديتموه للبلاد من جليل الخدمات، وأصدرنا أمرنا هذا إلى سموكم، بذلك، على أن تقوموا بتصريف العاجل من الأمور حتى يتم تشكيل الوزارة الجديدة".
ويتابع سموه المسيرة
في اليوم التالي، رفع سمو الشيخ خليفة بن سلمان أسماء أعضاء حكومته الجديدة إلى سمو أمير البلاد. وجاء في كتاب سموه:
"حضرة الأجل الأمجد صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير دولة البحرين المعظم.. بعد تقديم فائق التحية وخالص الاحترام. بقلب ملؤه الإخلاص، والولاء، أتشرف بان ارفع إلى مقامكم ابلغ آيات الشكر على ما أوليتموني من ثقة غالية، بدعوتي إلى تأليف الوزارة من جديد. ولقد تدبرت الموقف، فرأيت إن إخلاصي لكم، وحبي لبلادي العزيزة، يفرضان علي تلبية هذه الدعوة الكريمة، مقدرا حق التقدير، ما وراء ذلك، من تبعات جسام، ومستعينا بالله جلت قدرته على تحمل هذه المسؤوليات ومستلهما منه السداد. ولئن كنت أشرت في كتاب استقالة الوزارة السابقة إلى أن التعاون بين الوزارة وبين المجلس الوطني غير قائم، فقد تداولت مع زملائي الذين وقع عليهم اختياري للاشتراك في الوزارة الجديدة، وقد اجمعوا رأيهم على أن الضرورة تقتضي حل المجلس الوطني، وإجراء تعديلات دستورية، بحيث يصبح المجلس اصدق تمثيلا لجموع الأمة بمختلف هيئاتها. ولذلك، ستتشرف الوزارة فور صدور أمركم الكريم بتشكيلها، بان ترفع إلى سموكم مرسوم بحل المجلس الوطني.
يا صاحب السمو..
يتطلع العالم كله إلى منطقة الخليج التي تشهد حركة اقتصادية، ونهضة صناعية منقطعة النظير، وقد كان على البحرين أن تشارك فيها، لتواكب هذا التطور. إلا أن استحالة إنشاء وزارات جديدة، ذات أجهزة متخصصة، فيما تندب لها من أعمال، نتيجة حظر الدستور ذلك، للحد من عدد أصوات الوزراء في المجلس الوطني، قد حال دون إنشاء هذه الوزارات.ولما كانت هذه الحكمة تنتفي بحل المجلس، وتأجيل انعقاده، إلى أن يوضع قانون الانتخابات الجديدة، فقد رأيت زيادة عدد الوزارات على النحو الوارد في التشكيل المرفوع إليكم، فان ذلك أدعى إلى التخصيص، وتحسين الأداء في العمل، وحصر المسؤولية عنه ثوابا أو عقابا".
كانت التحديات، في أوجها.
وكانت البحرين، قد دخلت عصر الحداثة، وبزغت بين دول الخليج العربي، بإنسانها، وما يؤهله من قدرات، وإبداعات، لدفع ركب التنمية، إلى الحد الذي يحقق للبحرين سبقا مؤكدا.
وإذا كانت التنمية، وتكريس حاضر الدولة لضمان مستقبلها، يستلزمان امتلاك الأدوات، والفكر، والرجال.. فهما يستلزمان أيضا، تطهير الساحة، من كل ما قد يعكر صفاء أجواء التنمية، ويعرقل ركب مسيرتها.
ولذا، فقد صدر يوم 26آب/ أغسطس، المرسوم الأميري رقم 14 لسنة 1975، والذي جاء فيه: "نحن عيسى بن سلمان آل خليفة، أمير دولة البحرين.
بعد الإطلاع على المادة 56 من الدستور، والأسباب الواردة في كتاب استقالة الوزارة السابقة وجواب تأليف الوزارة القائمة، والمتعلقة بالتعاون بين المجلس الوطني والحكومة. وبناء على ما عرضه علينا رئيس مجلس الوزراء، وبعد موافقة مجلس الوزراء، رسمنا بما يلي:
مادة أولى - يحل المجلس الوطني.
مادة ثانية - على رئيس الوزراء تنفيذ مرسومنا هذا، ويعمل به ابتداء من يوم الثلاثاء"،وفي نفس اليوم، أصدر سمو الأمير، أمره السامي رقم 4 لسنة 5791، وجاء فيه:"نحن عيسى بن سلمان آل خليفة، أمير دولة البحرين. لما كنا نرى في الأسباب التي من اجلها، أمرنا بحل المجلس الوطني، خطرا يهدد الوحدة الوطنية، وامن البلاد، وهو ما يقتضي: إجراء تعديل في قانون الانتخاب"
بهذا، يكون الأمر عاد إلى نصابه. فقد كان على سمو أمير البلاد، وشقيقه سمو رئيس الوزراء، الاختيار بين ديمقراطية، يمتلكها من لا يؤمن بها، إلا وسيلة لتحقيق مآرب أيديولوجية، وعقائدية، وشخصية. أو بلد قادر على النهوض، بكفاءة، وتحقيق الأمن والرفاه، والحداثة والعدالة لشعبه.
واختار الشقيقان، البحرين.... بحرين الحاضر، المهيأة لصناعة الغد، وبحرين المستقبل، القادرة على الاستواء في مقدمة بلدان المنطقة.
ومن اجل خير البحرين، حاضرا، ومستقبلا صادق سموه، بمرسومه الأميري رقم (3) لسنة 1975، على تشكيل الوزارة، بأعضائها، وحقائبها التي تقدم بها سمو الشيخ خليفة.
وجاء في المرسوم:
"نحن عيسى بن سلمان آل خليفة، أمير دولة البحرين. 1393هجرية، الموافق 6 كانون أول/ ديسمبر عام 1973، وعلى أمرنا رقم (3) لسنة 1975، الصادر في18 شعبان 1395هجرية، الموافق 24 آب/ أغسطس 1975بتعيين الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة رئيسا لمجلس الوزراء، وتكليفه بترشيح أعضاء الوزارة الجديدة، وبناء على ما عرضه علينا رئيس مجلس الوزراء، في كتابه بتاريخ 19 شعبان 1395 هجرية، الموافق 25 آب/ أغسطس 1975رسمنا بالاتي: يعين كل من:
1-سمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة وزيرا للدفاع
2-السيد جواد سالم العريض وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء
3- الشيخ خالد بن عبد الله بن خالد آل خليفة وزيرا للإسكان
4- السيد طارق عبد الرحمن المؤيد وزيرا للإعلام
5- الشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة وزيرا للعدل والشؤون الإسلامية وزيرا للتجارة والزراعة بالوكالة
6- السيد ماجد جواد الجشي وزيرا للأشغال
7-الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة وزيرا للخارجية
8- السيد يوسف احمد الشيراوي وزيرا للتنمية والصناعة
9- السيد إبراهيم محمد حسن حميدان وزيرا للمواصلات
10- الدكتور حسين محمد البحارنة وزير دولة للشؤون القانونية
11- الشيخ عبد العزيز بن محمد آل خليفة وزيرا للتربية والتعليم
12- الدكتور علي محمد فخرو وزيرا للصحة
13- الشيخ عيسى بن محمد آل خليفة وزيرا للعمل والشؤون الاجتماعية
14- الشيخ محمد بن خليفة بن حمد آل خليفة وزيرا للداخلية
15- السيد محمود السيد احمد العلوي وزيرا للمالية
اشتملت الوزارة الجديدة، على خمسة عشر وزيرا، حملوا ست عشر حقيبة وزارية، وبدا واضحا من تنوع هذه الحقائق، والتخصصات الجديدة، التي طرأت على التشكيلة الوزارية، أن ثمة مشروعا وطنيا كبيرا، جاءت هذه الوزارة لتحقيقه، ولعل المحيطين بسمو الشيخ خليفة، والذين ربما تساءلوا فيما بينهم، سرا أو علنا، عن صبر الشيخ خليفة بن سلمان، والى متى سيستمر على ما كان يحدث، لعلهم أدركوا في تلك اللحظة، أن سمو الشيخ خليفة، كان يمارس هوايته القريبة إلى قلبه وعقله: هواية التأمل، ودراسة الأمر بكافة تفاصيله، بصمت وأناة وهدوء، تتيح في مجموعها، للقرار الصادر عن سموه فيما بعد، أن يكون -على رأي العلماء- جامعا مانعا، خاليا من الثغرات والاحتمالات.
كان ثمة مشروع يمر في ذهن سمو الشيخ خليفة. فالبلاد قطعت شوطا طويلا منذ الاستقلال ، ثبتت فيه أركان الدولة ، وأنجزت فيه مؤسساتها الأولية. وكان لا بد إذن من تحقيق حلم الوالد، الذي ورثه الشقيقان من بعده، بل حملاه أمانة، تعاهدا على تحقيقها انه حلم خدمة كل مواطن في البلد، وبناء كل مرافقها.
لعلنا نتذكر هنا، أن سمو الشيخ سلمان كان دائما يحمل هاجسا وطنيا، لتقديم كل ما يمكن من خدمات لمواطني البحرين، ولعلنا نتذكر، هنا أيضا، انطباعات المحايدين، عن اهتمامات سمو الشيخ سلمان، بالخدمات العامة، وجهوده التي جعلت البحرين، في وقت مبكرا جدا، تحتل مكانة مميزة، ليس على مستوى دول الخليج العربي فحسب، بل على مستوى العالم العربي، وربما لن نبالغ إذا قلنا العالم اجمع.
ولعلنا هنا نتذكر أيضا، أن سمو الشيخ خليفة، اعتنق هذا الفهم، والإدراك، والتوجه، مبكرا، بل عبر عنه، في السابق، حين أوكلت إلى سموه مهمة تشكيل المجلس الإداري، في بواكير عهد سمو الشيخ عيسى بن سلمان(2 أيار/ مايو عام 1966) وكيف ضم سموه للمجلس، اختصاصات عديدة، لم يكن المجلس شهدها من قبل، وأوجد فيه دوائر خدماتية، كانت في وقتها ابتكارا بحرينيا، لم تعرفه المنطقة.
وفق هذه الرؤية الشمولية، لخير ومصلحة. إنسان البحرين، شكل سمو الشيخ خليفة حكومته الجديدة، وحدد برنامج عملها، في كتاب التشكيل، وكان واضحا للمراقبين، في الداخل والخارج، أن سموه في صدد إنجاز مشروع نهضوي ضخم، وانه أراد من تشكيلته الشابة هذه، إيجاد الأدوات الواعدة، لإقامة هذا المشروع الوطني الكبير.
تشكلت الحكومة الجديدة، التي تسلم رئيسها، دفة الأمور مرة أخرى، دون أن يكون ترك الدفة، أصلا. وكانت البحرين على موعد جديد، مع سلسلة إنجازات عارمة بالطموح، والمؤسسية

|