العملة الوطنية
كان سمو الشيخ خليفة قد رأى في عام 1964 أن الوقت مناسب لتحقيق تلك الأمنية التي ظلت تراوده طويلا، وهي أن تكون للبحرين عملتها الوطنية الخاصة بها، تحمل شعار ورمز هذه البلاد واسمها العزيز. ولان العملة بالنسبة لأي بلد لا تعني مجرد نقود معدنية أو ورقية يتم سكها للتداول، وإنما تعني أيضا جزءا من نظام عالمي للنقد يحدد قيمتها حسب أسس معروفة . وقد أعرب الكثيرون آنذاك عن تخوفهم من فشل الفكرة أو صعوبة تنفيذها. والجدير بالذكر أن هذه الأمنية كانت تراود أيضا المغفور له الشيخ سلمان منذ أن استلم الحكم، حيث تؤكد الوثائق أن مذكرة أرسلت من سموه إلى مستشار الحكومة في 18 شباط/ فبراير 1949م جاء فيها "لا بد وان تذكرون انه جرت مذاكرة من مدة في خصوص النقد والعملة التي سنعمل لتداولها في البحرين، وان شاء الله تتسع إلى أزيد. إنني أرى من الواجب الاهتمام بذلك بالسرعة وان أحوج الأمر إلى خبير فني في معرفة النقد وتداوله ممكن طلبه من لندن لأخذ إفادة من رأيه ويكون ارتباط العملة بالجنيه الإسترليني فأرجو أن تهتموا بأسرع وقت. هذا ما لزم بيانه والسلام عليكم" .
ولعل هذه واحدة من المقارنات التي تؤكد على امتداد وتواصل الفكر السياسي بين الأب سمو الشيخ سلمان بن حمد والابن سمو الشيخ خليفة بن سلمان.
ويعد تاريخ تطور النظام النقدي في البحرين احد السجلات التي تحوي رواية موضوعية للمراحل التي مر بها تاريخ البلاد. فهناك إجماع بين الباحثين والمؤرخين على أن البحرين كانت من أوائل دول الخليج التي عرفت استخدام النقود بأشكال مختلفة، لتنظيم المعاملات المالية والتجارية، سواء في مجال التجارة الخارجية أو الداخلية . وقد ظلت العملات الرومانية القديمة وسيلة للتعاملات المالية في منطقة الخليج لفترة طويلة امتدت حتى أوائل القرن الماضي، عندما أصبح الدولار النمساوي الذي كان معروفا باسم ريال "ماريا تريزا" العملة الأكثر تداولا في المنطقة . والى جانب الدولار النمساوي كانت هناك الليرة التركية والروبية الهندية وبعض العملات الأخرى.
إلا أن تزايد حجم التجارة بين البحرين والهند، خصوصا في مجال تجارة اللؤلؤ، جعل الروبية الهندية أجدر بان تكون العملة الأكثر تداولا في البحرين. وقد ساعد على ذلك كون الدولار النمساوي عملة قديمة جدا، وصعوبة تحويله إلى روبيات، حيث كان يساوي روبية واحدة وخمس آنات وخمس بيزات . لذلك كان من غير الطبيعي بقاؤه كعملة مسيطرة على النظام النقدي في البحرين. وهكذا تحولت الروبية الهندية من مجرد عملة قابلة للتداول في البحرين وتوابعها عام 1818، إلى العملة الرسمية للبلاد عام 1880.
وظل الحال على ما هو عليه حتى مطلع الخمسينيات من هذا القرن، عندما تعرضت الهند لعمليات تهريب واسعة النطاق، استهدفت إدخال الذهب إلى الأراضي الهندية بصورة غير مشروعة . وكان المهربون يبيعون هذا الذهب بالروبية، ثم يهربون حصيلة البيع إلى خارج الهند، حيث يحولونه إلى عملة صعبة، مما كان يعود عليهم بأرباح طائلة، إلا أن عمليات تهريب الذهب وتجارة العملة أدت بمرور الوقت إلى إضعاف موقف الروبية، وإلحاق ضرر كبير بالاقتصاد الهندي . وفي إطار سعيها لمكافحة هذه الظاهرة قامت الحكومة الهندية في عام 1955، بإصدار عملة شبيهة بالروبية الهندية هي "الروبية الخليجية"، بغرض أن تصبح عملة خاصة بمنطقة الخليج وحدها، ووافق حاكم البحرين في 18 شباط/ فبراير عام 1957 على قانون العملة الهندية "المعدل"، وفي 13 آذار/ مارس عام 1957 اتفقت جميع بنوك البحرين على أن يكون ذلك اليوم عطلة، وذلك بمناسبة إدخال العملة ذات النظام العشري، حتى يسهل تحويل الحسابات إلى العملة الجديدة. إلا أن غالبية الموظفين في البحرين استمروا في استلام رواتبهم بالعملة القديمة عدة شهور، حيث لم يكن هناك ما يكفي من العملة الجديدة لصرف الرواتب والأجور.
ومع بداية شهر تموز/ يوليو من نفس العام، بدأ ظهور أوراق مالية مزيفة من فئة المائة روبية.ولكن نظرا لرداء تزييفها، أمكن اكتشافها بسهولة، وأمكن تحديد أرقامها بسرعة.
ولحماية سوق النقد في البحرين، أعلنت الحكومة في 30 آذار/ مارس عام 1963 عدم قبول تداول قطع النقود التي تحمل "رأس الملك" اعتبارا من ذلك اليوم. وألزم هذا الإعلان جميع من لديهم هذا النوع من العملة المعدنية بان يقوموا باستبدالها خلال أسبوع لدى البنك الشرقي المحدود "تشارترد بنك حاليا"، وبعد انتهاء المهلة، منع دخول هذه العملة إلى البلاد منعا باتا.
ثم جاء عام 1964، ليشهد أولى ثمار الجهود التي بذلها سمو الشيخ خليفة على مدار السنوات السابقة. وقد تمثلت هذه الثمرة في تأسيس "مجلس نقد البحرين" الذي بدأ مزاولة مهامه وسط ظروف بالغة الصعوبة، كان من أبرزها التنافس الشديد الذي اشتمل بين مختلف أنواع العملات . وكان تأسيس هذا المجلس بحق نقطة تحول هامة في تاريخ اقتصاد البحرين بصفة عامة، وتاريخ نقدها بصفة خاصة . وقد تتابعت قرارات المجلس التي استهدفت تنظيم أوضاع النقد في البلاد . وفي إطار قرار استخدام الروبية، اصدر رئيس مالية الحكومة الشيخ خليفة بن سلمان إعلانا في6 تشرين أول/ أكتوبر عام 1965 بشأن " نظام استيراد العملة إلى البحرين"
وبمقتضى ذلك الإعلان منعت عمليات استيراد الأوراق المالية المعروفة باسم روبية الخليج، كما منع استيراد قطعة العملة المعدنية التي كانت تعرف باسم مسكوكات الخليج . وحدد الإعلان مقدار ما يمكن أن يستورده الفرد الواحد القادم إلى البحرين عبر المنافذ الرسمية من أوراق روبية الخليج، بما لا يزيد قيمته على ألف روبية . أما المسكوكات المعدنية فقد حددها الإعلان بما لا يزيد عن خمس روبيات. وفي ظل إحساس عام بالانتماء للوطن، ومع سعي البلاد نحو تأمين مصالحها الاقتصادية، توج "مجلس نقد البحرين" أعماله بإصدار قرار يلغي فيه استخدام الروبية الهندية، ويعلن فيه إصدار عملة بحرينية وطنية خلال عام 1965 . وفي هذا العام، عين سمو الشيخ خليفة رئيسا للمجلس، الذي كان يضم في عضويته كلا من السيد محمود احمد العلوي، والسيد احمد يوسف فخرو، والسيد احمد علي كانو، والسيد علي عبد الرحمن الوزان، والسيد س. لومب.
وبناء على عرض من سمو الشيخ خليفة بن سلمان رئيس المالية لما تم اتخاذه نحو إصدار عملة وطنية، اصدر سمو الشيخ عيسى بن سلمان حاكم البحرين في اليوم السابع عشر من تشرين أول/ أكتوبر عام 1965 مرسومين، كان الأول منهما هو المرسوم رقم "9 مالية" من حيث الشكل والتصميم واللون . أما المرسوم الثاني، فقد حمل رقم "10 مالية" لسنة 1965، وأطلق عليه مرسوم النقد البحريني "اليوم المعين" . ونص هذا المرسوم على أن يكون يوم 17 تشرين أول/ أكتوبر من عام 1965 هو اليوم المعين لإصدار العملة البحرينية الجديدة. ولاستكمال الترتيبات التي تضمن استقرار الأوضاع لصالح العملة الجديدة، حدد المرسوم "10 مالية" الفترة التي يمكن خلالها استبدال النقد المتداول في الأسواق بالعملة البحرينية الجديدة، بحيث تبدأ من اليوم المعين "17 تشرين أول/ أكتوبر عام 1965 "وحتى يوم 22 من الشهر ذاته . وقد بلغ حجم الإصدار الأول من العملة الجديدة 8.7 مليون دينار بحريني.
وقد كانت سعادة سمو الشيخ عيسى بن سلمان حاكم البلاد كبيرة، وهو يطلع على أول إصدار لأول عملة وطنية، حيث أعرب للشيخ خليفة بن سلمان رئيس مجلس النقد عن عظيم شكره وامتنانه على الجهود الكبيرة التي بذلت لهذا العمل الوطني المتميز في الاقتصاد البحريني . وذلك حسب نص التصريح الذي أدلى به الشيخ عيسى بهذه المناسبة.
ويتذكر سمو الشيخ خليفة بن سلمان اليوم، بكثير من السعادة والرضا، تلك الجهود المضنية التي بذلت من اجل إصدار عملة وطنية في البلاد، مشيدا في هذا الشأن بجهود وإخلاص شخصيات وطنية عديدة وقفت إلى جانبه لتحويل الحلم إلى حقيقة. ومن بين هذه الشخصيات بصفة خاصة السيد محمود العلوي الذي وصفه بأنه كان معلما ورفيق درب مخلصا.

|