الرئيسية
مواقع مهمة
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
 
   
 

حادث البلدية 1956

 

في حوالي الساعة العاشرة والربع من صباح يوم 11 آذار/ مارس عام 6591،وأثناء قيام احد مفتشي بلدية المنامة بواجبه اليومي في تنظيم الأسواق لمنع تعدي الباعة المتجولين والذين يفترشون الأرصفة والطرقات على الشارع العام، حدثت مشادة بين مفتش البلدية وبعض الباعة الذين رفضوا تعليمات المفتش، فما كان من المفتش إلا أن جاء بشرطي حاول أن ينقل أغراض وصناديق البائع بالقوة، إلا أن البائع رفض ذلك وحدث شجار بينهما. في هذه الأثناء تجمع الناس شيئا فشيئا وحاولوا التصدي لعدد من الشرطة كانوا موجودين بالسوق.فهربوا إلى مبنى البلدية الذي كان قريبا من السوق والتجأوا هناك. وبدأ الناس يتجمعون عند البلدية واخذوا يطالبون بالشرطي الذي ضرب البائع. واستمر الناس في التجمع طوال اليوم. وفي الساعة الثالثة عصرا حاولت الشرطة المجيء بسيارة شحن كبيرة إلى باب البلدية ليستقلها أفراد الشرطة المحاصرون في الداخل، إلا أن المحاولة فشلت، وبعد اقل من نصف ساعة سمعت طلقات رصاص من الشرطة في الهواء لتفريق الناس. وقد كانت الشرطة بقيادة الكولونيل البريطاني «همرسلي»غير أن الباعة الغاضبين كانوا هدفا سهلا للتحريض الذي مارسته فئات خفية سارعت إلى موقع الحادث لاستغلال الموقف. فازدادت حدة التوتر بين الجانبين ووصلت إلى مرحلة الاشتباك بالأيدي وبعض الأسلحة الخفيفة كالمواسير والسكاكين والعصي. ويبدو أن أفراد الشرطة كانوا قلة أمام كثرة الباعة الغاضبين، وهذا دفع ببعض أفراد الشرطة، إلى إبداء ردود انفعالية غاضبة، وإطلاق النار في الهواء، وفي جهات مختلفة، وهم في حالة ارتباك شديدة، مما أدى إلى إصابة عدد من الأشخاص برصاصات طائشة. مع أن الأوامر الحكومية للشرطة كانت تشدد دائما على عدم إطلاق النار بدون أوامر مباشرة.. وكان الكولونيل (همرسلي) يعلم ذلك. كانت الفرصة مناسبة للهيئة لممارسة نشاطها، وعلى الفور أعلنت الإضراب العام في البلاد! وسيرت المظاهرات الغاضبة في الأسواق والطرقات مما أدى إلى اشتعال أحداث العنف والغوغائية من قبل عناصر غاضبة ومتهورة، والتي وصلت حد إحراق العديد من السيارات والمحلات التجارية.

 

هنا تبدو حقيقة تقاسم الأدوار بين بعض عناصر الهيئة والمستشار الإنجليزي بيلجريف، الذي بادر من فوره إلى قيام بدور الوساطة بين الحكومة والهيئة والشعب! ورغم إدراك الكثيرين لخفايا دور المستشار وتورط بعض العناصر فيما حدث إلا أن جميع الأطراف وبتوجيهات من سمو الشيخ سلمان بن حمد ابدوا استعدادهم لقبول مهمة المستشار طالما كانت تسعى لتهدئة الأوضاع في البلاد.

 

هنا لا بد أن نشير إلى وعي فئة عريضة من الشعب بالدور الذي كان يلعبه المستشار بيلجريف، ولذا فقد انطلقت المطالبات الشعبية بإبعاده وعزله. والحقيقة، أن ما حدث في الأردن من إبعاد وعزل الجنرال كلوب، رئيس أركان الجيش في 92 شباط/ فبراير عام 6591، كان ما زال بآثاره الحماسية عالقا في نفوس البحرينيين، الذين كانوا يربطون بين وجود بيلجريف في البحرين، مع وجود كلوب في الأردن. وفي نفس الوقت، فلا بد من القول، أن ممارسات بيلجريف، قد شكلت تذمرا لدى عدد من المسؤولين البريطانيين أنفسهم، فقد جاء في إحدى المراسلات السرية، بين المعتمد السياسي، ووزارة الخارجية وهي تحمل رقم (55/66/1/1101) وتاريخ 5 أيلول/ سبتمبر عام 5591: »في الواقع نحن الآن ندفع ثمن ثلاثين عاما من سياسة سير تشارلز بيلجريف المتحيزة المستبدة في البحرين.. ومن ناحية أخرى فان نظام إدارة الرجل الواحد الذي يتبعه سير ريتشارد بيلجريف، والذي يركز كل شيء ذو أهمية بيده، حتى على مستوى توقيع شيك بعشر روبيات، يظهر بشكل يومي عدم ملاءمته للتعامل مع العدد المتزايد والمدى المتسع للمشاكل.

 

...وعندما بدأ الشعب البحريني في المطالبة بعزل المستشار بيلجريف فلم يكن ذلك لأسباب شخصية، ولكن للدور الذي كان يقوم به.

 

وليس هناك وصف أدق مما كتبه احد الكتاب البريطانيين ويدعى السيد «اون» في كتاب صدر في لندن عام 7591 واصفا فيه ممارسات المستشار بيلجريف بقوله (كان باستطاعته (أي بيلجريف) القبض على أي شخص باعتباره رئيسا لسلك البوليس، ومحاكمته في المحاكم القضائية باعتباره رئيس سلك القضاء، وإصدار الحكم عليه والنظر في طلب الاستئناف المقدم منه ضد الحكم باعتباره رئيس محكمة الاستئناف)!!.

 

وتوضيحا لملابسات الحادث ومنعا لسيطرة الشائعات المغرضة أصدرت الحكومة بيانا في الثاني عشر من آذار/ مارس عام 6591 جاء فيه: «تأسف حكومة البحرين على ضحايا يوم أمس غير أنها مصممة على حفظ النظام في جميع الحالات، ولدى الشرطة أوامر بهذا الخصوص، وهم يقومون بها بحزم واعتدال. وعلى جميع المواطنين أن يعودوا لأعمالهم كالمعتاد ويستمروا فيها بهدوء.

 

ستعطى الحماية اللازمة لجميع من يرغبون في مزاولة أعمالهم. إن ممثلي العمال في لجنة العمل والعمال قد وافقوا بأنه ليس قانونيا أن يضرب العمال لأسباب سياسية وذلك كما هو معمول به في جميع البلدان التي لديها قانون عمل وعمال، وفي الوقت نفسه فالحكومة ستستمر في منهجها التقدمي،وتدعو الجمهور للمساهمة في هذا عن طريق الإمكانيات الحالية وتلك التي سيعلن عنها في القريب العاجل. ستجري الشرطة التحقيقات اللازمة عن الداعي الذي سبب كارثة يوم أمس»..

 

انتهى البيان كما صدر عن المعتمد السياسي البريطاني بيان في السادس عشر من آذار/ مارس عام 5691 تعرض للأحداث المؤسفة وجاء فيه:

"بناء على رغبة صاحب العظمة حاكم البحرين قام المعتمد السياسي لحكومة صاحبة الجلالة بمداولات مع بعض الأشخاص الذين حضروا لديه في شؤون البحرين. لقد رفعت نتيجة تلك المحادثات إلى صاحب العظمة الذي سيعلن عن الخطوات التي سوف تتخذ حالما ينتهي الإضراب".

 

إن المعتمد السياسي يود أن يحيط شعب البحرين علما بان حكومة الجلالة ستقف بجانب صاحب العظمة وهي على أتم استعداد لتقديم كل مساعدة ممكنة لحفظ الأمن والنظام في البلاد".. انتهى البيان.

 

وإذا كان من الغريب أن تتطور حوادث عادية تحدث منها العشرات يوميا في الأسواق إلى حوادث إطلاق نار ومظاهرات وإضراب عام، فانه من الأكثر غرابة أن تكون حوادث الخلافات بين الأفراد أخبارا رئيسية في إذاعات بريطانيا!ففي السابع عشر من آذار/ مارس 6591 صدر بيان لمصدر مسؤول في وزارة الخارجية البريطانية في لندن جاء فيه: «يسرنا أن نعلن أن الحالة في البحرين أصبحت هادئة، إن لنا ملء الثقة بصاحب العظمة ومستشاريه وسوف نقدم لعظمته كل المساعدة اللازمة لتنفيذ البرنامج الذي سيشتمل على خطوات تدريجية لرفع مستوى المعيشة في البلاد، والسير بتقدمها الدستوري المنظم».

 

كما صدر في نفس اليوم ومن نفس المصدر البيان التالي: «تناقلت بعض الإذاعات نبأ مفاده أن بعضا من أفراد البوليس العراقي في طريقه إلى البحرين و هذا الخبر عار عن الصحة وان الإذاعة البريطانية في إذاعتها المسائية هذا اليوم نفت الخبر نفيا باتا».وكانت حكومة البحرين قد سبقت هذه الإعلانات بإصدارها بيانا في اليوم نفسه جاء فيه: «نعلن للعموم بأنه سيجري تحقيق في الحوادث التي حدثت أمام بناية بلدية المنامة يوم 11 آذار/ مارس 6591. سيكون ذلك التحقيق مستمدا من التحقيق العام في الحوادث التي رافقها تعكير الأمن والتي حدثت في البحرين يوم الجمعة 2 آذار/ مارس 6591.

 

وسيقوم بالتحقيق بصورة مستقلة كل من المستر بيس المستشار القضائي لحكومة البحرين والمستر موزلي نائب قاضي محكمة دار المعتمدية البريطانية في البحرين، وسيشتمل ذلك التحقيق مسؤولية التشجيع والتحريض على الإخلال بالأمن، وكذلك الموقف الذي اتخذته السلطات لمعالجة ذلك الإخلال.و سيسمح للجمهور بحضور تلك التحقيقات وسننشر نتيجة التحقيقات وستتخذ الحكومة الإجراءات اللازمة على ضوء ذلك التحقيق».

إن نظرة واحدة، على تشكيلة لجنة التحقيق بالحادث، وحصر أعضائها بموظفي الحماية البريطانية، دون غيرهم من موظفي الحكومة، تكفي لوضع مجموعة من علامات الاستفهام على حيادية هذه اللجنة، والدور المطلوب منها، خاصة إذا ما أخذنا بعين اعتبارنا. دور همرسلي، في الحادث.

اصدار وتنفيذ مركز الابداع العلمي - أسسه الباحث توفيق الحمد عام 1992 - البحرين