الرئيسية
مواقع مهمة
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
 
   
 

احتلال الكويت 1990

كانت الساعة قد شارفت على الخامسة صباحا بتوقيت فرنسا، عندما دق جرس الهاتف في الغرفة التي كان يقيم بها الأستاذ محمد المطوع بفندق "نكرسكو" في "نيس" حيث كان برفقة صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء في زيارة خاصة كان يقوم بها سموه إلى فرنسا.

كان المتحدث على الطرف الأخر هو الأستاذ طارق المؤيد وزير الإعلام السابق، الذي ابلغه بان العراق قد بدأ فجر ذلك اليوم، بتوقيت البحرين، عملية غزو شامل لدولة الكويت، وانه يرجو إبلاغ سمو الشيخ خليفة بذلك فورا وتردد الأستاذ محمد المطوع قليلا قبل ان يتصل بسمو الشيخ خليفة، لا سيما وانهما كانا قادمين لتوهما إلى نيس من لندن، وربما كان سموه لا يزال مرهقا، غير ان الأمر لم يكن يحتمل أي تردد، وفوجئ الأستاذ محمد المطوع بان سموه كان مستيقظا، وما ان ابلغه بالأمر حتى علم من سموه ان صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير البلاد كان قد اتصل به وبعد الرابعة بقليل ليبلغه بالموضوع.

وكانت تعليمات سمو رئيس الوزراء لمدير مكتبه اتخاذ الترتيبات للعودة فورا إلى البحرين بالطيران التجاري، حيث ان الطائرة الأميرية لم تكن جاهزة في ذلك الوقت، وكان أسرع طريق للعودة هو عن طريق لندن - وهو ما كان بالفعل وقد ظل سموه على متن الطائرة التي أقلته إلى البحرين صامتا اغلب الوقت، يفكر في أبعاد هذا التطور الخطير، فلم يكن سموه، شأنه شأن جميع القادة العرب، يتوقع مثل هذا التصرف من جانب الرئيس العراقي صدام حسين، وراح سموه يبحث عن معنى وأسباب هذا التصرف الخارج ليس فقط عن قيمنا العربية والإسلامية، وإنما عن كل قوانين الشرعية والأعراف الدولية، ولم يستغرق سموه طويلا، حتى توصل إلى قناعة بان المسألة اكبر بكثير من مجرد خلاف حدود بين بلدين، وانها تنذر بأثار خطيرة على امن واستقرار المنطقة، مما يتطلب منتهى الحكمة وأقصى درجات الاحتياط في مواجهة كافة الاحتمالات القائمة.

وبمجرد وصول سموه إلى ارض الوطن، تم إبلاغه بأنه في غضون اقل من ثمان ساعات أحكمت القوات العراقية الغازية سيطرتها على جميع أنحاء دولة الكويت، وذلك بعد اقل من يوم واحد من فشل المباحثات الكويتية العراقية التي جرت في جدة، والتي بذل فيها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود جهودا كبيرة للحيلولة دون وقوع الكارثة وكانت مفاجأة، ان يعود العراق لادعاءاته بتبعية الكويت له، ويقدم على غزوها... الأمر الذي يدعونا إلى إعادة تصفح أوراق تاريخ هذه المشكلة وفق الوثائق التي اقرها جمهور المؤرخين واتفقوا عليها.

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حدثت مجموعة من المتغيرات لدى القوى المحيطة بالكويت، مما كان له انعكاساته على العلاقات العثمانية - الكويتية، ومن هذه المتغيرات فتح السعوديين للإحساء، وقضائهم على نفوذ بني خالد، وتنامي النفوذ العثماني في العراق بعد ان نجح في القضاء على "داود باشا" آخر حكام المماليك في بغداد عام 1831، وتزايد النفوذ البريطاني الذي اخذ يزحف من مسقط إلى الساحل الجنوبي للخليج بعد توقيع معاهدة الصلح العامة في عام 1820، وما تبعها من فرض معاهدة الهدنة البحرية على إمارات الخليج، وما أعقب ذلك من ضغوط بريطانية على الكويت بهدف دفع شيوخها إلى الارتباط بالمعاهدة العامة والانضمام إلى اتفاقيات الهدنة البحرية، وهو الأمر الذي رفض حكام الكويت آنذاك الاستجابة له، رغم تهديدات بريطانيا بمنع التعامل مع السفن الكويتية في موانئ الهند.

وفي فبراير عام 1892 طلب الشيخ مبارك الصباح حاكم الكويت مقابلة المقيم السياسي البريطاني في الخليج، حيث ابلغه بأنه يتطلع إلى مساندة الإنجليز ضد محاولات التدخل في شؤون بلاده من قبل السلطات العثمانية، وفي بداية الأمر اظهر الجانب البريطاني ترددا في الموافقة، إلا انه بدأ في تغيير موقفه على ضوء ما وصل إلى علمه من تجمع القوات العثمانية في البصرة استعدادا للانقضاض على الكويت والتخلص من الشيخ مبارك، وأيضا على ضوء احتدام المنافسة الأوروبية في الخليج، الأمر الذي قد يغري أية قوة أوروبية أخرى على تقديم العون للكويت مما يضيع الفرصة على الإنجليز.

وبناء على ذلك، وصل إلى الكويت في 23 يناير عام 1899، الكولونيل "ميد" المقيم البريطاني في الخليج، وتم توقيع اتفاقية مع الشيخ مبارك نصت على ان "يعطي العهد ويعتبر نفسه وورثته واخلافه إلى الأبد،

بالا يقبل وكيلا في أرضه أو قائم مقام من جانب دولة أخرى في الكويت أو في قطعة أخرى تابعة لها بغير موافقة الحكومة البريطانية، ولا يفوض ولا يبيع ولا يؤجر ولا يرهن ولا ينقل بوسيلة أخرى إلى دولة أو رعية احد من الدول بغير موافقة الحكومة البريطانية".

وقد أرادت الحكومة البريطانية قبل الإعلان عن الاتفاقية عام 1899، الاطمئنان إلى سلامة موقفها القانوني، مما دفع اللورد "كيرزون" نائب الملك في الهند إلى تكليف المقيم البريطاني في الخليج الكولونيل "كمبال" بدراسة وضعية الكويت ومدى تبعيتها للدولة العثمانية...

ويعد تقرير الكولونيل "كمبال" مرجعا للإطلاع على طبيعة العلاقات بين الكويت والدولة العثمانية، وهو التقرير الذي اعتمدت عليه حكومة لندن في إعلان حمايتها الصريحة على الكويت، فقد أوضح هذا التقرير ان الدولة العثمانية تعتمد في مطالبها بتبعية الكويت، على الادعاء بان سكانها الأصليين قد وفدوا إليها من "أم قصر" في جنوب البصرة، غير ان التقارير المتوفرة في أرشيف حكومة بومباي تشير إلى ان سكان الكويت الأصليين قد وفدوا إليها من نجد، كذلك اثبت التقرير البريطاني الرسمي انه لم يكن ثمة سيطرة عثمانية فعلية على الكويت.

واستنادا إلى كل ذلك خرج التقرير البريطاني الشهير بنتيجة تقول ان الكويت لم تكن تابعة في أي وقت للدولة العثمانية، وهو التقرير الذي اعتمد عليه اللورد "لاتزدون" في تصريحه الذي أدلى به في مجلس اللوردات عام 1903، بأن شيخ الكويت خاضع للحماية البريطانية، كما ان الحكومة البريطانية ترتبط معه بمعاهدات واتفاقيات خاصة، مما يعد أول تصريح بريطاني رسمي بشأن الحماية البريطانية على الكويت.

ومن جهة أخرى كانت بريطانيا ترى ان هناك تناقضا قانونيا واضحا بين منع القوات العثمانية من النزول في الكويت وبين رفع شيخ الكويت للراية العثمانية، ومن ثم طلبت الحكومة البريطانية من الشيخ مبارك ان يستبدل بالراية العثمانية راية أخرى، واعترض الشيخ مبارك على ذلك، وكانت وجهة النظر التي أعلنها انه يرفع الراية العثمانية باعتباره مسلما وليس باعتباره من رعايا الدولة العثمانية، وقد استمرت هذه المشكلة، ذات الطابع التناقضي بين قواعد القانون الدولي وبين المعتقدات الدينية، دون حل لفترة غير قصيرة، حتى تمت تسويتها في اتفاقية يوليو عام 1913 بان يرفع الشيخ مبارك الراية العثمانية على ان تضاف إليها كلمة "كويت" لتكتب على ركن من أركانها إذا ما رغب في ذلك.

وهكذا كانت مشكلة خط الحدود بين الكويت والعراق واحدة من المشاكل التقليدية التي خلقها الاستعمار واورثها دول المنطقة، حتى تظل سببا كامنا للنزاع وعدم الاستقرار، ونظرا لان الأوضاع التي كانت سائدة في منطقة الخليج حتى ما بعد منتصف القرن الثامن عشر، لم تكن قادمة على أساس سيادة الدولة، فان قيام الحدود السياسية بشكلها الذي نعرفه اليوم لم يكن أمرا مألوفا، ولكن عندما بدأت التكوينات السياسية في منطقة الخليج تحرص على تأكيد هويتها، بدأت مشاكل الحدود تفرض نفسها بمساعدة الدول الاستعمارية التي كانت تتصارع على المصالح والنفوذ في الخليج، وكانت المشكلة بين العراق والكويت من ابرز تلك المشاكل التي بدأت تتبلور خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ولكن جاء الاتفاق الذي ابرم بين الإنجليز والعثمانيين، الذين كانوا يتنازعون السيطرة الاستعمارية على منطقة الخليج، في 29 يوليو 1913 بشأن الحدود، لكي يقلل نسبيا من حدة هذه المشكلة أولا، ثم يتخذ أساسا لعملية تخطيط الحدود بين العراق والكويت فيما بعد.

وفي الوقت الذي كانت فيه الحرب العالمية الأولى - التي اندلعت نيرانها بعد سنة من توقيع الاتفاقية المشار إليها - سببا في تهدئة الأوضاع ونسيان مشاكل الحدود في منطقة الخليج، فان تخطيط هذه الحدود بين العراق والكويت تم تأكيده بناء على ما تم التوصل إليه في اتفاق 1913، بعد ذلك بحوالي عشر سنوات، وقد حدث ان أرسل شيخ الكويت في 31 مارس 1923 برسالة إلى "الميجور مور" الذي كان يشغل منصب الوكيل السياسي البريطاني في الكويت يطلب فيها احاطته علما بحدود بلاده مع العراق، وعندما رفعت الوصاية البريطانية عن العراق في عام 1932، وانضم إلى عصبة الأمم، قام المندوب السامي البريطاني في بغداد "فرانسيس همفريس" في 16 يوليو عام 1932 بإرسال رسالة إلى رئيس مجلس الوزراء العراقي بالوكالة السيد جعفر العسكري، يطلب فيها ان يثبت الحدود القائمة بين العراق والكويت، بناء على اتفاقية عام 1913، ومن هنا عادت مشكلة الحدود بين العراق والكويت تفرض نفسها من جديد، ولكن في ظل أوضاع جديدة، وأدى ذلك إلى ان تتطور ألازمة في اتجاهات جديدة.

وبعد أن أعلن رئيس الوزراء العراقي السيد نوري السعيد عدم قبوله بالحدود القائمة بين البلدين، وقام في 21 يوليو من عام 1932 بإرسال الرد الذي يحمل ذلك المعنى إلى المندوب السامي البريطاني، قام حاكم الكويت بإرسال خطاب إلى الوكيل السياسي البريطاني في العاشر من أغسطس من العام نفسه يبلغه موافقته على ترسيم الحدود، وكان ذلك إيذانا بان تهدأ المشكلة ولكن إلى حين.

وكان من الممكن أن تشهد مشكلة الحدود بين العراق والكويت حلا نهائيا عندما تباحثت بريطانيا والعراق حولها في عام 1939، ولكن المشكلة استمرت واتخذت منعطفا جديدا، بعد أن قام الرئيس العراقي الأسبق عبد الكريم قاسم في يونيو عام 1961 بإطلاق دعوته لضم الكويت، ودفع بالفعل بعدد من وحداته لتنفيذ ما دعا إليه، فما كان من الكويت إلا أن استغاثت بقوات بريطانية طالبة منها الحماية، وبينما كان إرسال القوات العربية إلى الكويت لتحل محل القوات البريطانية بمثابة تجربة ممتازة لإنشاء قوة عربية مشتركة، فان الإطاحة بنظام عبد الكريم قاسم في فبراير عام 1963 أدى إلى تواري فكرة إنشاء مثل هذه القوة، كما انه أدى إلى توقف الحكومة العراقية عن المطالبة بضم الكويت مؤقتا.

وقد حدثني سمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء عن تلك الفترة قائلا: "بعد تلك التهديدات التي أطلقها الرئيس العراقي في عام 1961، أرسل حاكم الكويت إلى الوالد رحمه الله لطلب المساعدة من القوات البريطانية المتواجدة في البحرين، فلم يتردد لحظة واحدة في تقديم العون لدولة الكويت الشقيقة، والرسائل التي تم تبادلها بين سمو الوالد والمعتمد البريطاني لهى اكبر دليل على الاهتمام الذي أولاه سمو الوالد شخصيا لهذا الموضع".

ففي صباح يوم 4 يوليو عام 1961 اجتمع سمو الشيخ سلمان بن حمد حاكم البحرين مع المقيم السياسي السيد وليم لوس بحضور قائد القوات البريطانية في الشرق الأوسط، وبعد هذا الاجتماع مباشرة أرسل المقيم السياسي البريطاني مذكرة بهذا الخصوص جاء فيها "حضرة المكرم حميد الشيم صاحب العظمة الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة حاكم البحرين المحترم، بعد التحية ومزيد الاحترام.. وبعد.. كما أخبرت عظمتكم في هذا الصباح لما تشرفت بمقابلتكم مع قائد القوات البريطانية في الشرق الأوسط، لقد أمرت أن انقل إلى عظمتكم شكر وتقدير حكومة صاحبة الجلالة للصداقة ورغبة التعاون اللذين أظهرتموهما بخصوص التحركات الأخيرة للقوات البريطانية الذاهبة لمساعدة الكويت، ان حكومة صاحبة الجلالة تقدر جدا الصداقة القائمة قديما بين المملكة المتحدة والبحرين، والتي زادتها الحوادث الأخيرة متانة، الرجاء قبول عظمتكم احترامي الفائق وتقديري.

وفي نفس اليوم أرسل سمو الشيخ سلمان الرد على تلك الرسالة، وقد جاءت كلماتها أكثر من معبرة عن العلاقات البحرينية الكويتية حيث جاء فيها "حضرة صاحب الفخامة السير وليم لوس المقيم السياسي في الخليج المحترم.. بعد التحية والاحترام.. استلمنا كتاب فخامتكم المؤرخ في 4 يوليو 1961 الذي ذكرتم فيه إنكم أمرتم أن تنقلوا لنا شكر وتقدير حكومة صاحبة الجلالة للصداقة ورغبة التعاون اللذين أظهرتموها بخصوص التحركات الأخيرة للقوات البريطانية الذاهبة لمساعدة الكويت، وان حكومة صاحبة الجلالة تقدر جدا الصداقة قديما بين المملكة المتحدة والبحرين والتي زادتها الحوادث الأخيرة متانة، وجوابا عليه نقول بان ما قمنا به من تسهيلات لتحركات القوات البريطانية الذاهبة لمساعدة الكويت ما هو إلا شيء يفرضه علينا الواجب الإسلامي والأخوي نحو أخ عزيز وبلد شقيق وما ذاك إلا بعض من الواجب علينا نحو حاكم الكويت وبلده وشعبه الذين تربطنا بهم روابط الأخوة والصداقة ونكن لهم كل تقدير واحترام ونتمنى لهم كل عز ورفعة، ولا يخفى اننا وجميع أصدقائنا مستائين اشد الاستياء لما حدث من رئيس وزراء العراق ونرجو الله ان يوفق الجميع لما فيه الخير والسداد.. هذا ونرجو ان ترفعوا خالص تشكراتنا القلبية لحكومة صاحبة الجلالة على ما أبدته من تعاون صادق وروح طيبة نحو الشقيقة الكويت، كما نرجو من الله ان يجعل روابط الصداقة بيننا قوية ويوفقنا جميعا للتعاون على ما فيه الخير للجميع.. وختاما نقدم لكم خالص شكرنا على ما قمتم به من إبلاغ الرسالة إلينا ونرجو لكم دوام التوفيق والمسرات".

وقد استلزم الأمر بعض الوقت لكي يعاود العراق إثارة دعواه التي لا تستند إلى أي أساس شرعي أو قانوني، وجاءت المحاولة العراقية الجديدة لضم الكويت على يد الرئيس صدام حسين بعد حوالي 27 عاما من أخر محاولة سبقتها. ولم تجد نفعا المحاولات والجهود الجبارة التي بذلها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز والرئيس المصري حسني مبارك والرئيس السوري حافظ الأسد وغيرهم من الرؤساء والقادة في بعض الدول العربية الأخرى، للتوصل إلى حل لهذه ألازمة الخطيرة واحتوائها عربيا، فقد ذهبت كل تلك الجهود أدراج الرياح، ولم تسفر عن أية نتائج ايجابية، واستمر العراق في احتلاله للكويت وأدى ذلك إلى أن تخرج الأزمة عن حدود السيطرة العربية، بعد فشل الجامعة العربية في إيجاد حل لها بسبب تعنت النظام العراقي.

وتحت مظلة منظمة الأمم المتحدة، وبالتعاون مع العديد من دولها الأعضاء، بذل الرئيس جورج بوش رئيس الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك جهودا غير عادية حتى يجد لهذه الأزمة حلا سلميا، ولكن محاولاته في هذا المجال باءت بالفشل أيضا، كما فشلت جهود الأمم المتحدة في إقناع العراق بالانسحاب من الكويت، ونظرا لان العراق صم أذنيه عن سماع التحذيرات، ولم يعط أي اهتمام للعديد من قادة العالم الذين توجهوا إلى بغداد من اجل إقناع الرئيس العراقي صدام حسين بالانسحاب سلميا من الكويت، كما صم آذانه ولم يعبأ بالنداءات التي وجهها إليه العديد من زعماء دول العالم ومنهم الرئيس المصري مبارك الذي وجه لصدام حسين 27 نداءا متتاليا!!.. فقد بات واضحا ان الأمور تتجه نحو الحرب.

وقد كان الغزو العراقي لدولة الكويت من أصعب المواقف على نفس سمو الشيخ خليفة بن سلمان، وفي ذلك الشأن قال لي سموه "ان العرب مروا في هذه الأزمة بأصعب حالات التفكك والانقسام السياسي، كما ان الوضع الخليجي كان من الممكن ان يكون أفضل، بالتنسيق المشترك والابتعاد عن المشاكل الفرعية التي كانت قائمة في تلك الفترة، وكم تمنيت ان تقف الدول العربية، والخليجية خاصة، وقفة متماسكة مثل وقفتها أيام الحرب العراقية الإيرانية".


وخلال الفترة التي كانت الأمم المتحدة والعديد من الدول تحاول فيها إقناع العراق بالانسحاب من الأراضي الكويتية، بات واضحا أمام القيادة السياسية في البحرين أن الحرب هي الاحتمال الأقوى، وعليه تم الاتفاق على اتخاذ العديد من الإجراءات الاحتياطية، ولم تتردد البحرين لحظة واحدة في عمل ما رأت انه واجب الأخ تجاه أخيه، مهما كانت التضحيات، وايا كانت التبعات... ففتحت أبوابها مرحبة بالإخوة الكويتيين الذين اجبروا على ترك بلادهم أمام جحيم الغزو، واتخذت البحرين كافة الإجراءات لسرعة توفير المسكن والحياة الكريمة للإخوة الكويتيين في هذه المحنة، كما فتحت البحرين مجالها الجوي والبحري والبري للجهد الدولي الذي استهدف إعادة الشرعية إلى ارض الكويت.

وعندما رجحت احتمالات الحرب، بدأت مختلف أجهزة الحكومة، وبتوجيه وإشراف مباشر من سمو الشيخ خليفة بن سلمان، حملة كبيرة شملت الاستعداد داخل البلاد لكافة الاحتمالات، كما تضمنت توجيه المواطنين والمقيمين تحسبا لأية طوارئ عند حدوث غارات أو غير ذلك من احتمالات الحرب، وكان للتهديد العراقي بشن حرب كيماوية أثره في إثارة فزع وخوف الكثيرين، مما حدا ببعض المقيمين إلى مغادرة البحرين، ومن جانب أخر، ونتيجة لذلك، بدأ المواطنون في اكبر حملة مشتريات عرفتها البلاد من المواد التموينية لتخزين الحاجات الضرورية والمؤن الغذائية وغيرها.


وهنا يجب ان نشيد وبفخر، بالدور الذي لعبته الحكومة في السيطرة على الأسعار وتوفير المخزون الغذائي والدوائي وغير ذلك من كافة الاحتياطات الضرورية، كما كان للجهد الذي بذله سمو الشيخ خليفة بن سلمان شخصيا في متابعة الأوضاع في البلاد، من خلال جولاته التفقدية شبه اليومية إلى مختلف المنشآت والمؤسسات، أثره في ضبط إيقاع الحياة وعدم السماح بانفلات أية أمور، لتسير الحياة على نهجها المعتاد رغم ذلك الخطر الكبير الذي كانت البحرين قريبة للغاية منه.

وعندما انتهت الفترة الزمنية التي حددتها الأمم المتحدة كمهلة لانسحاب العراق من الكويت - في الساعة الثانية صباحا من يوم 16 يناير عام 1991 بتوقيت الخليج - شنت طائرات القوات المشتركة أولى غاراتها على المواقع العراقية في داخل الكويت والعراق، وليس سرا تلك التسهيلات العسكرية التي قدمتها البحرين لقوات التحالف، الأمر الذي جعل من البحرين مع المملكة العربية السعودية خط مواجهة ثانية للحرب، واضطرت البحرين، وربما وحدها بين دول المنطقة، إلى وقف حركة الطيران المدني فيها، مما زاد من عبء الأزمة الاقتصادية التي تحملتها البحرين والتي زادت خسائرها على مليارين ونصف المليار دولار أمريكي، وهو أمر ظلت البحرين تعاني من تبعاته لفترة زادت على الخمس سنوات.

كذلك أسهمت البحرين في إنقاذ الكثير من وثائق الكويت الهامة، ومنها المساعدة في تهريب أقراص الحاسب الالي الكويتي الذي يحتوي على معلومات مفصلة عن السكان، من الكويت إلى البحرين، حيث تمكن خبراء بحرينيون بمساعدة فنيين هولنديين وفرنسيين من فك رموزه السرية واستعادة المعلومات التي سلمت فيها بعد إلى الحكومة الكويتية في المنفى، وقد أصبحت هذه الإحصائيات السكانية الكويتية وثيقة لدى الأمم المتحدة، أسهمت في تمكين الحكومة الكويتية من دحض الادعاءات العراقية.

كما قامت قاعدة الشيخ عيسى الجوية والواقعة في جنوب البحرين بدور هام في المعارك الجوية أثناء الحرب، مما تسبب في توجيه العراق ثلاثة صواريخ سكود أخطأت القاعدة، ولم تحدث أية خسائر، كما سقط صاروخ سكود عراقي في الأرض الخالية جنوب البحرين ولم يسبب أية أضرار.

وفي الساعات الأولى من صباح يوم 28 فبرايرعام 1991، نجحت القوات المشتركة في تحرير الكويت من الاحتلال العراقي، بعد معركة برية لم تدم سوى أربعة أيام فقط,وقد كشفت هذه الأزمة بكل وضوح عن المعدن الأصيل لشعب البحرين، وإيمانه الصادق والقوي بمبادئ التعاون والتعاضد الأخوي.

 

اصدار وتنفيذ مركز الابداع العلمي - أسسه الباحث توفيق الحمد عام 1992 - البحرين