لماذا لم تنضم البحرين للاتحاد
كانت جهود سمو الأمير الشيخ عيسى بن سلمان رحمه الله، وسمو الشيخ خليفة بن سلمان، تأخذ أبعادها الأخوية، مع الأشقاء، من حكام الإمارات الخليجية، وبريطانيا، لحل الإشكاليات التي ستترتب على الخروج البريطاني المفاجئ، والتفريغ السريع الناتج عن ذلك في المنطقة.

وكانت هذه الجهود، قد أثمرت مبدئيا، الاقتراح الذي طرحته الحكومة البريطانية، في شباط/ فبراير عام 1968، والذي يرمي إلى قيام شكل من أشكال الوحدة بين دول المنطقة شبيهة بفدرالية اتحاد الجنوب العربي، التي لم يحالفها النجاح في وقت سابق.
كذلك فقد أجرت بريطانيا محادثات مع إيران، هدفت لحل الإشكالية التاريخية فيما بينها وبين البحرين. وهكذا دخلت المنطقة في دوامة من القلق والتهديدات وسلسلة متواصلة من المشاورات والمحادثات والزيارات المتبادلة، وبحيث أصبحت منطقة الخليج العربي بؤرة توتر، وهدفا لأنظار العالم.
منذ التواجد البريطاني في الخليج، حرصت بريطانيا على اعتماد مندوبين، أو وكلاء لها في المنطقة يمثلون التاج البريطاني. ويجمعون بين أيديهم السلطات الإدارية والتنفيذية، والنفوذ، ورغم اختلاف مسميات هؤلاء الوكلاء، والمندوبين، فإنهم كانوا بقدر أو آخر يمثلون المصالح البريطانية، بمختلف جوانبها، وأهدافها، على أن الثابت تاريخيا، أن بريطانيا، بدأت تفكر برفع مستوى تمثليها إلى مستوى الوكيل السياسي "POLITICAL AGENT" ، إلى مستوى المقيم السياسي "POLITICAL RESIDNCE"، الذي يعتبر من حيث التصنيف الإداري، أعلى موظف بريطاني في الخليج، ويتبعه، ويعمل تحت إشرافه وإدارته، وكلاء سياسيون، في إمارات الخليج.

غير أن فكرة نقل المقيمية البريطانية، إلى البحرين، من مدينة بوشهر الإيرانية، ظلت رغبة بريطانية مؤجلة بسبب ظروف الحرب العالمية، حتى عام 1946، حيث أصبحت البحرين مقرا للمقيم السياسي البريطاني في الخليج، إضافة إلى اعتماد وكيل سياسي، أيضا، يمثل المقيم في البحرين.
وكان نفوذ المقيم السياسي ينسحب على جميع منطقة الخليج العربي، في حين ينحصر نفوذ الوكيل السياسي، ضمن حدود الإمارة المعتمد لديها، وفي الأمور الداخلية والمحلية فقط، بينما تنعقد الولاية السياسية على الصعيد الخارجي والدبلوماسي، للمقيم السياسي، الذي يعتبر المسؤول عن العلاقات الخارجية لجميع إمارات الخليج، بما فيها البحرين، حيث مقر أقامته.
وحتى عام 1900، ظل الوكلاء السياسيون أو "الوكلاء البريطانيون"، ينتخبون من التجار ويعتمدون من خلال حكومة الهند البريطانية، ثم جرى تغيير هذا النظام، فتم تعيين موظف بريطاني، معتمد من قبل وزارة المستعمرات كوكيل سياسي في البحرين.
وأول هؤلاء الوكلاء الرسميين هو مستر ف. ب. بريدو، الذي اختار مقرا رسميا له في المنامة، اعتمد فيما بعد، كمقر دائم للوكلاء البريطانيين، ثم الوكلاء السياسيين، الذين زودتهم الحكومة بمجموعة من جنود المشاة الهنود، يبلغ عدد أفرادها حوالي 30 جنديا.

وارتفع هذا العدد، بالطبع، مع اعتماد مقيم سياسي، في البحرين، هذا إلى جانب الجنود العاملين في القواعد العسكرية البريطانية، والموظفين الإداريين، ورجال الشرطة.
ولقد تحالفت أسباب عديدة، لاختيار البحرين مقرا للمقيم السياسي البريطاني، من أهمها، كثافة التواجد العسكري في البحرين، ورغبة بريطانيا بالسيطرة على شؤون البحرين الداخلية والخارجية، وثرواتها الطبيعية، وموقعها الاستراتيجي، إضافة إلى أن وجود المقيم السياسي في البحرين -التي كانت هدفا للادعاءات الإيرانية- كان يمثل إشارة واضحة لإيران، بهذا الخصوص.
وعلى العموم، فقد كان النفوذ البريطاني في الخليج، شاملا لمختلف مناحي الحياة، وبحيث كانت مختلف الإدارات بيد موظفين بريطانيين، وخاصة الإدارات الأمنية.
وكان ذلك بالتأكيد، وراء عدم ارتياح حكام الدول الخليجية، لسرعة الخروج البريطاني من المنطقة، مما يفرغها تماما من الإدارات القادرة على استمرارية تصريف شؤون المواطنين، من جهة، ويجعلها، وهي التي لا يوجد فيها قوات عسكرية محلية، مطمعا للدول المجاورة، وخاصة إيران.
على اثر الاقتراح البريطاني بتشكيل نوع من الاتحاد، فيما بين الدول الخليجية التي تضمها الحماية البريطانية، بادر حكام الدول التسع المعنية إلى إجراء سلسلة من المشاورات والاجتماعات، توجها الى الاجتماع الذي انعقد في الفترة من الخامس والعشرين وحتى السابع والعشرين من شباط/ فبراير عام 1968، والذي أعلن في ختامه عن اتفاق الحكام التسعة على إنشاء "الاتحاد الفدرالي للإمارات العربية"، وأعلن الشيخ زايد بن سلطان حاكم إمارة أبو ظبي قيام الاتحاد من تسع دول هي: البحرين، قطر، أبو ظبي، دبي، الشارقة، أم القوين، عجمان، رأس الخيمة، الفجيرة.

وصدرت في هذا اليوم "وثيقة الاتحاد"، التي اعتبرت حين ذاك ميثاقا مؤقتا للدولة الجديدة إلى حين وضع الصيغة النهائية لدستور الاتحاد، ولذلك فقد اكتفى الميثاق بتحديد أغراض الاتحاد، وتوزيع السلطات الدستورية بين حكام الإمارات التسع، والإشارة إلى ا.لتنسيق والتعاون فيما بينها، ودعم كل منها لاستقلال الأخرى، واحترام سيادتها إضافة إلى النص على توحيد السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي، والدفاع الجماعي إلى جانب أمور عامة أخرى، تصب في مجملها في الشؤون والمصالح المشتركة لهذه الدول.على الضفة الأخرى من المشهد السياسي في المنطقة، كانت إيران ترقب ما يجري بين الإمارات التسع بحذر بالغ، وتصدر عنها تلميحات هنا وهناك معارضة لهذه الاجتماعات.وظلت هذه التلميحات تصدر عن الصحف وأجهزة الإعلام الإيرانية وبشكل غير رسمي، فيما كان حكام الإمارات التسع جادين في تكريس وضع الاتحاد الذي اتفقوا على إنشائه.
ويبدو أن محاولات إيرانية كانت تجري وراء الكواليس لإجهاض هذا الاتحاد. ولذلك فعندما وجدت الحكومة الإيرانية أن الحكام التسعة للإمارات العربية مستمرون في جهودهم، وان هذا الاتحاد سيكتسب الصفة الرسمية، بادرت في الأول من نيسان/ إبريل عام 1968 لإصدار بيان، أوضحت فيه موقفها الرسمي المعارض لقيام أي اتحاد بين إمارات الخليج العربي.

وفي السابع من أيار/ مايو نفس العام عادت وأكدت موقفها السابق، مضيفة أنها تعتبر دعوة البحرين للانضمام إلى الاتحاد، عملا موجها ضد السيادة الإيرانية ومصالح إيران في المنطقة، غير أن حكام إمارات الخليج تجاهلوا الاعتراضات الإيرانية، واعتبروا أمر الاتحاد شأنا داخليا، وعملا من أعمال السيادة، ولذلك فقد استمرت الاجتماعات والمداولات، وعلى مختلف الصعد والمستويات، وهي الاجتماعات التي بدأت تفرز نقاطا، ومواقف خلافية مبدئية بين الإمارات التسع، وعندما بدأت تتسع شقة الخلافات، قرر الحكام إتاحة الفرصة للمزيد من المباحثات، لتشريح القضايا الخلافية، والوصول إلى حلول وسطية ترضي جميع الأطراف، وبالتالي فقد تقرر تكليف نواب الحكام بعقد اجتماعات تفصيلية خلال شهري حزيران/ يونيو وتشرين أول/ أكتوبر من عام 1970، لبحث هذه القضايا، تمهيدا لمؤتمر قمة الحكام ينعقد في شهر تشرين أول/ أكتوبر من نفس العام.
غير أن الخلافات بين الإمارات كانت على ما يبدو أوسع من أن تحتوى، رغم المحاولات الجادة التي كان يبذلها بعض الحكام، لإقناع أصحاب المواقف المتشددة منهم بالتنازل لصالح قيام الاتحاد العتيد، والحقيقة أن النقاط الخلافية دارت حول أربعة محاور رئيسة هي:
سلطات الحكومة الاتحادية، كانت بعض الإمارات ترى أن تتولى الحكومة الاتحادية الشؤون الخارجية وشؤون الدفاع حصرا، إضافة إلى تقديم الخدمات الأساسية الصحية والتعليمية، فيما تحتفظ الإمارات بسلطات سيادية مستقلة على الشؤون الأخرى، وقد عارضت إمارات أخرى هذا الرأي، وكان توجه البحرين إلى توسيع السلطات التنفيذية، والتشريعية للحكومة الاتحادية، وان تكون الأمور المالية والاقتصادية تحت ولاية الحكومة الاتحادية، وهو الموقف الذي عارضته إمارات أخرى.
التمثيل في المجلس الوطني، كانت الإمارات التسع تقريبا، ترى أن يكون تمثيلها في المجلس الوطني متساويا، بغض النظر عن عدد السكان، وقد رأت البحرين أن هذا الاتحاد يهضمها بعض مكتسباتها، نظرا لان عدد سكان البحرين يعادل نصف عدد سكان الاتحاد كاملا، وبالتالي فقد اقترحت أن يكون التمثيل في المجلس الوطني، بحسب نسبة محددة إلى عدد سكان كل إمارة، علما بأنها لم تتشدد بان يكون لها نصف أعضاء المجلس الوطني، كذلك فقد اقترحت البحرين أن يكون اختيار أعضاء المجلس الوطني، بالانتخاب الديمقراطي المباشر من الشعب، وفي كل إمارة على حدة، غير أن الإمارات الأخرى رفضت هذا الاقتراح، وأقرت الاتجاه الذي يقضي بتعيين أعضاء المجلس الوطني من قبل الحكومات.
عاصمة الاتحاد. كان رأي معظم الإمارات، ينصرف إلى إنشاء عاصمة جديدة لحكومة الاتحاد، واقترحت منطقة كموقع لهذه العاصمة على الحدود فيما بين إماراتي أبو ظبي ودبي، والحقيقة أن البحرين رأت في هذا التوجه أمرا غير منطقي، تبعا لما سيرتبه من تكاليف مالية باهظة و جهود كبيرة، من الأجدى أن تنصرف إلى تسريع نهضة الدولة الجديدة، وتحديث الأطر المؤسسية فيها، وبعد نقاشات طويلة اقتنعت بقية الإمارات بالطروحات البحرينية، واتفقت جميعها على اختيار أبو ظبي عاصمة مؤقتة، وهو الرأي الذي طرحته البحرين.
مبدأ التصويت في المجلس الأعلى للاتحاد. لقد أقرت اتفاقية دبي، الموقعة في السابع والعشرين من شباط/ فبراير عام 1968 مبدأ الإجماع في التصويت على قرارات المجلس الأعلى للاتحاد، وقد رأت البحرين وعدد من الإمارات الأخريات، أن هذا المبدأ سيعرقل الوصول إلى قرارات مصيرية، تستلزم مبدأ الديمقراطية في التصويت، ولذلك فقد اقترحت أن يكون التصويت بالأغلبية.

ولما رأت البحرين أن الخلاف سيشتد، وربما سيؤدي إلى تعطيل الاتحاد، اقترحت للخروج من الأزمة، أن يعتمد العمل بمبدأ ثلثي الأصوات في الشؤون الموضوعية، فيما يعتمد العمل بمبدأ الأغلبية المطلقة في الشؤون الإجرائية، ومع أن هذا الاقتراح لاقى قبولا من بعض الإمارات، إلا أن الصغيرة منها أصرت على موقفها بالرفض، والاحتكام لاتفاقية دبي السالفة الذكر، وفيما بعد فقد تبين أن مشروع الدستور، الذي أعده الفقيه الدستوري الكبير وحيد رأفت، يذهب إلى ما ذهبت إليه البحرين بشأن مبدأ التصويت.
ومع ذلك فقد بقي موقف الإمارات المعارضة على ما هو عليه. ورغم اقتناع البحرين بان مواقفها واجتهاداتها، تنبع من أصولية دستورية وتوجه ديمقراطي، وتصب في النهاية في مصلحة الاتحاد، فقد تنازلت عن كثير من آرائها، ومواقفها نتيجة للوساطتين السعودية والكويتية، ووافقت من حيث المبدأ على أن يتضمن الدستور المؤقت للاتحاد، نصا يقضي بإعادة النظر في مبدأ النسب التمثيلية المتساوية للإمارات في المجلس الوطني، وذلك بعد إجراء إحصاء سكاني للإمارات، من قبل الحكومة المركزية، كذلك فقد وافقت البحرين على موضوع اعتماد مقر مؤقت للعاصمة، بل كانت هي التي اقترحته أصلا.
وفي اجتماع المجلس الأعلى الأخير، الذي انعقد في أبو ظبي خلال الفترة من 21 وحتى 25 تشرين أول/ أكتوبر عام 1969، عاد حكام الإمارات ووافقوا على جميع النقاط التي كانت محل خلافات فيما بينهم، وفق الرؤية التي اقترحتها البحرين.
وبالنتيجة فقد أعدت مسودة البيان المشترك الذي سيصدر عن الاجتماع، وكانت تتضمن ثلاث عشرة مادة، منها الاتفاق على اختيار رئيس للاتحاد ونائب للرئيس ورئيس للوزراء، وإنشاء عاصمة دائمة بين أبو ظبي ودبي، كما تحدد أعضاء المجلس الوطني بستة وثلاثين عضوا، وبواقع أربعة أعضاء لكل إمارة، إضافة لاعتماد ميزانية للاتحاد، وإنشاء لجنة من كبار المستشارين القانونيين، لمراجعة مشروع الدستور المؤقت للاتحاد، والذي تقدم به الدكتور وحيد رأفت.
وفي اللحظات الأخيرة، ظهرت تطورات جديدة عمقت شقة الخلافات من جديد، حيث أصرت الإمارات الصغيرة، على صدور قائمة بأسماء الوزراء، وان تتضمن هذه القائمة نصيبا من الوزارات السيادية المهمة لهذه الإمارات، ولدى إصرار إمارات أخرى على عدم إدراج هذا الطلب، واحتفاظ الإمارات الصغيرة بموقفها، فقد استحكمت الخلافات مرة أخرى، مما أدى إلى فشل مؤتمر المجلس الأعلى، وعدم صدور البيان الختامي المقرر، الذي صدر بدلا عنه بيان مقتضب، وهكذا انتهى الاجتماع إلى اللاشيء، وانتهت فكرة اتحاد الإمارات التسع، رغم تدخل الوساطة العربية، ووساطة السير "وليم لوس" الممثل الخاص لوزير الخارجية البريطانية، الذي كلف بوضع مقترحات عملية، تقرب من وجهات النظر المختلفة، وهي المقترحات التي كان نصيبها الرفض.
يقولون أن التاريخ لا يرحم...
والحقيقة أن حقائق التاريخ، قد لا ترحم البعض، ولكنها بالتأكيد توضح الحقائق، التي قد يغفلها البعض لفترة أو يتعمدون إخفاءها. والرجوع للتاريخ تماما كالرجوع لسمو الشيخ خليفة بن سلمان، الذي يورد رأيه بصراحة موضوعية بشأن قضية الاتحاد، وكيف أنها تعرضت لكثير من المواقف غير المتوقعة...
ولو أنها كانت مفهومة، فقد كان سمو الشيخ خليفة إبان تلك المرحلة، يتحرك على جميع الاتجاهات والأصعدة، فإضافة إلى الصعيد المحلي، وما كانت الظروف استلزمته، من قيام سموه بجهود أسطورية، ضخمة لتكريس البنية المؤسسية والإدارية للدولة، وإضافة إلى التهديدات الإيرانية للبحرين، والتي كان سموه يحاول التعامل معها بحكمة وضبط نفس من جهة،
ويسعى لكي لا تؤثر على مسيرة الحياة العامة في البلاد، من جهة أخرى، فقد كان سمو الشيخ خليفة يعمل ليل نهار لإنهاض فكرة الاتحاد وإقامته على أرضية دستورية صلبة، وكان يسعى جهده البالغ لرأب الصدع، والتوفيق بين الآراء والمواقف المتعارضة بل ويجبر نفسه على قبول التنازلات البحرينية العديدة، في سبيل المصلحة العامة لشعب الاتحاد.
ومع ذلك فقد تبين وبشكل واضح، أن الخوف من التهديدات الإيرانية والتخوف من التطور والحداثة التي وصلت إليها البحرين، في المستويات التعليمية والثقافية والحضارية مقارنة مع أوضاع الإمارات الأخرى، تشكل جميعها أسبابا، تكمن وراء التشدد والمواقف المعارضة التي تتبدل وتتغير من اجل إجهاض مشروع الاتحاد، وكأن الهدف كان إبعاد البحرين، وعدم ضمه

|