الرئيسية
مواقع مهمة
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
 
   
 

إنتهاء الإستعمار

 

لم تكن البحرين هي الدولة الوحيدة التي تعاني من مخاضات سياسية واجتماعية وظروف حرجة وتقلبات في مختلف جوانب الحياة. كانت المنطقة كلها تمر بفترة انتقالية تترافق مع مخاضات مختلفة تنسحب على جميع مناحي الحياة. وشكلت نتائج حرب حزيران، صدمة عربية، كان لها آثارها اللاحقة فيما بعد.

بريطانيا كانت قبل نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات الدولة التي لا تغيب الشمس عن أرضها، غير أنها في هذه الآونة بدأت تعاني من الضمور والاضمحلال شيئا فشيئا أمام ظهور قوى كونية أخرى، مثل أمريكا والاتحاد السوفيتي والصين، كانت تتسابق لاحتلال صدارة العالم، وبسط نفوذها على المواقع الإستراتيجية في مختلف جوانب الأرض، وبالتالي فقد كانت العواطف العربية مستعدة للترحيب بأي قادم جديد للمنطقة، يأتي بوعد الحرية وتقرير المصير، لشعوب عانت طويلا من نير الاستعمار.

 

إلى جانب ذلك ساهمت حركة الوعي العربي والشعور القومي المتحمس، بتغيرات مشهودة في جوانب عدة من الساحة العربية، كان لها تأثيرها الإيحائي على الشعوب، والمواطنين في الجوانب الأخرى. ففي اليمن كانت الإمامة تتعرض لضربات قاسية أودت بها وحجبت شمسها نهائيا، فصدر إعلان وفاتها خلال ثورة 26 كانون أول/ ديسمبر عام 1926. وفي الجزائر نجح كفاح الشعب الجزائري بطرد المستعمر الفرنسي، مما أضفى تسارعا وزخما قويين على مسار حركة التحرر العربية من نير الاستعمار. كذلك فقد كانت الهند و الباكستان تنفضان عن كواهلهما أدران عمر كامل من الحكم البريطاني الذي تحكم بالمنطقة، وأذاق شعوبها أكثر ألوان العبودية ذلا ومهانة. وهنا وهناك كانت تظهر دعوات قومية ومبادرات تحررية، تقضي على بواقي نفوذ بريطانيا، إلى جانب ذلك، كانت بريطانيا نفسها تعاني من أعباء اقتصادية ومالية ضخمة، نتيجة اتساع رقعة البلاد المشمولة بحمايتها والخاضعة لانتدابها وسيطرتها واحتلالها العسكري، ونتيجة حروبها المتتالية وانحسار مواردها التي كانت تأخذها من مقدرات الشعوب التي حكمتها ثم تحررت من نيرها.

 

كل هذه الظروف، إضافة إلى اختلاف المفاهيم العالمية الكونية، دفع بحكومة العمال البريطانية إلى اتخاذ قرار في الرابع من كانون ثاني/ يناير عام 1968 يقضي بتخفيض النفقات البريطانية في الخارج، وبالتالي فقد تقرر أن تتخلى بريطانيا عن بعض التزاماتها العسكرية في الشرق الأقصى والمناطق الواقعة شرقي السويس وفي مقدمتها منطقة الخليج العربي. وعلى هذا الأساس، وضع مجلس الوزراء البريطاني خطة، تقضي إلى سحب القوات البريطانية المتواجدة في المناطق المذكورة سالفا، وحدد لهذه الغاية موعدا نهائيا هو شهر كانون أول/ ديسمبر عام 1971، أي بعد حوالي مئة وسبعين سنة من تواجد بريطانيا في المنطقة، وهو التواجد الذي بدأ فعليا حوالي عام 1800 وكان لهذا التواجد قصة، بل قصص تحفظها وثائق التاريخ.

 

خرافة القراصنة

 

في بدايات القرن التاسع عشر، كانت منطقة الخليج، تشتمل على مجموعة من الكيانات القبائلية والمشيخات العائلية، إضافة إلى حكام وسلاطين، وأئمة يحكمون هنا وهناك دولا غير مكتملة، وتفتقر إلى الكثير من المؤسسات الضرورية لقيام الدول. وكانت العلاقات بين معظم حكام هذه الكيانات والشيوخ والسلاطين تجمع بين التناقض والأحلاف قصيرة الأجل، ولا تخلو من الأطماع والحسد بل والمزاجية أحيانا. فعلى سبيل المثال، كانت البحرين تحت حكم آل خليفة تعاني من أطماع جيرانها في قطر، وأطماع "سعيد بن سلطان" حاكم مسقط القوي "1807 - 1856"، كما كانت تعاني من التهديدات الإيرانية "الفارسية"، التي لا تتوقف عن الوعيد باحتلال البحرين وضمها إلى الأراضي الفارسية. وكانت الأحوال والظروف في البحر والمحيط، ليست بأفضل منها على الأرض، فقد كانت حركة الملاحة مهددة دائما بممارسات البحارة الغربيين، الذين كانوا يتعرضون للسفن العربية في عرض البحر، ويجبرون ركابها، وملاحيها وأصحابها على دفع الإتاوات لهم، أو يقومون بسلبهم، بل واختطافهم، أحيانا.

 

وكان هؤلاء البحارة الخارجون على القوانين، مدعومين بسفن مجهزة قوية، وبنفوذ القادة العسكريين، أو الإقطاعيين أحيانا، مما جعل حركة الملاحة في البحر والمحيط، والخليج العربي، تنوء تحت رحمة هؤلاء، ودفع ببعض الملاحين والبحارة العرب، إلى شن غارات انتقامية على بعض السفن البريطانية والهندية التابعة لبريطانيا، وهؤلاء اعتبرتهم بريطانيا بحكم القراصنة، مع أنهم لم يكونوا يتعرضون للسفن بالنهب والسلب، بل كانوا مدفوعين بنخوتهم العربية والتزامهم القبلي، والديني، يمارسون الدفاع عن النفس والمال والعرض، تجاه اعتداءات القراصنة الحقيقيين من البحارة البرتغاليين، والاسبانيين، والإنجليز. وعلى العموم فان هذه الأحوال، كانت تنعكس بآثار سلبية على الحياة الاقتصادية لدى أبناء الخليج العربي، الذين كانوا يعتمدون على التجارة، والغوص، والملاحة.

 

هنا، ربما يقتضي منا الأمر، الإشارة إلى مداخلة تاريخية، يفرضها علينا واقع الحال، وتستدعيها المزاعم الاستعمارية التي تأسست عليها أولى حملات بريطانياالعسكرية،البحرية،ضدكيانات الخليج العربي..ونعني خرافة"القراصنة"التي أشاعتها آلة الإعلام البريطانية آنذاك، وفيما بعد، لتبرير غزو بريطانيا العسكري للخليج. والحقيقة أن مثل هذه الادعاءات كانت، وما تزال، تبريرا تلجأ إليه الدول القوية، لمهاجمة إحدى الدول التي قويت شوكتها،أو خرجت عن

 

مشيئة تلك الدول، والشواهد التاريخية، في هذا الصدد، كثيرة جدا، ولا حاجة لتكرارها. غير أننا هنا، لا نهدف إلى تفنيد المقولة البريطانية الاستعمارية، التي فندها التاريخ نفسه، بقدر ما نهدف إلى تذكير الذين يستخدمون هذه الكلمة، من غير وعي بحقيقة ما وراءها. وللأسف فبعضهم أو غالبيتهم، من المثقفين والمتعلمين، ولكنهم يرددون ما زرعته فيهم آلة الترويج البريطانية، دون تمحيص لغاياتها، وأهدافها.

 

لقد كانت الأنظمة والكيانات العربية المحاذية للخليج العربي، كيانات ذات أنظمة وأعراف عشائرية، عربية أصيلة، من أصول مبادئها، حماية الغريب، ونصرة المظلوم، وعدم الاستقواء على الضعيف، والترفع عن هتك الأعراض، وسلب الأموال، وكانت الضوابط العشائرية والقبلية، في ذلك الوقت، وحتى وقت قريب من عصرنا هذا أكثر تأثيرا في الناس، من الضوابط الرسمية والسلطوية، بل أن حكام الكيانات الخليجية كانوا يحكمونها بسلطة ونفوذ زعيم القبيلة، لا بسلطة الزعامة السياسية، هذا إلى جانب قرب الناس، من العهود الإسلامية والتزامهم أحكام الدين.

 

نكتفي بهذا القدر من المداخلة، التي رأينا أن واجب البحث يقتضيها، هنا.. ونعود إلى ما كنا بصدد الحديث، عنه، من أحوال المنطقة، في بدايات القرن التاسع عشر... وإذا كنا اشرنا إلى الأحوال في منطقة الخليج، فثمة على مشارف الخليج، أي في نجد والحجاز، كانت الحركة الوهابية تعلن عن نفسها وتسعى لإعادة تشكيل المنطقة، وبالتالي فقد اعتبرها بعض الحكام والسلاطين تهديدا حقيقيا لنفوذهم ووجودهم، ومن هؤلاء "سعيد بن سلطان" حاكم مسقط الذي كان يلح كثيرا على بريطانيا طالبا حمايتها من خطر الوهابيين، وكانت بريطانيا تتجاهل هذا الإلحاح تلافيا للتورط في مواجهة غير محسوبة العواقب في نجد والحجاز.

 

في عام 1918 كانت ثمة تغييرات قد حدثت في منطقة الجزيرة العربية والخليج وكانت بريطانيا في أوج جبروتها وقوتها بعد أن خرجت من معاركها الأوروبية منتصرة وتمكنت من تحطيم آخر معاقل المهراجات في الهند وبالتالي فقد تفتحت شهيتها الاستعمارية لضم مجموعة جديدة من الدول والأراضي إلى نفوذها وسيطرتها ولذلك فقد رأتها فرصة سانحة للتدخل حين قام محمد علي باشا نائب السلطة العثمانية في مصر بعد سيطرته على نجد والحجاز ولقطع الطريق على محمد علي ; باشا من الالتفاف نحو منطقة الخليج العربي والسيطرة بالتالي على المعابر المائية الإستراتيجية بدأت بريطانيا تعد العدة للسيطرة على القبائل البحرية المحاذية لشواطئ الخليج، من اجل ضمان طريق أساطيلها التجارية في ذهابها وإيابها من والى الهند. في ذلك الوقت كان حاكم بومباي يمثل السلطة والنفوذ البريطانيين على شبه القارة الهندية وما جاورها، وبالتالي فقد كانت منطقة الخليج تدخل ضمن مناطق نفوذ قوته وتحركاته، مع أنها لم تكن خاضعة له فعليا، وكان "السير إيفان نيبيان" حاكم بومباي من أنصار التدخل العسكري في الخليج وبسط السيطرة البريطانية المسلحة على جميع المعابر المائية والسواحل المحاذية للخليج العربي، أما الحكومة البريطانية، فمع أنها كانت تسعى فعليا وتخطط للسيطرة على تلك المنطقة الإستراتيجية، إلا أنها كانت تريد تحقيق نفس الغرض، ولكن بأسلوب مختلف. وكان ثمة أطروحات وخيارات عدة على بساط بحث الموضوع بين الساسة والقادة البريطانيين. فهناك اجتهادات كانت ترى أن يقتصر الدور البريطاني على مصادرة نفوذ رجال القبائل الساحلية في مياه الخليج، دون أي تدخل في أنظمة الحكم هناك. وفي الجهة المقابلة كان ثمة اجتهادات ترى ضرورة التدخل البريطاني الشامل، وإعادة رسم خريطة الخليج العربي، والدويلات الواقعة عليه، بما يحقق المصالح والرغبات البريطانية، ويجعل المنطقة وسكانها من تابعي التاج البريطاني.

 

وفي نيسان/ إبريل عام 8191 استقر رأي الحكومة العامة في كلكتا على انتهاج أسلوب محددبالتدخل في منطقة الخليج العربي وضمن مبادئ محددة منهاعدم التدخل في نظم الحكم واحترام نفوذ رؤساء القبائل والكيانات وعدم التورط في خلافاتهم وصراعاتهم على النفوذ إلا في حالة قبولها للتدخل إذا ما طلب منها ذلك من قبل إحدى الجهات المتصارعة وفي هذه الحالة يكون تدخلها لصالح صاحب الحق (!) وعلى هذه القاعدة، فقد تجاهلت بريطانيا طلبات حاكم مسقط المستمرة للسيطرة على البحرين وضمها إلى منطقة نفوذه. كما رفضت اقتراحا -في احد المشاريع- بالتغاضي عما يفعله العثمانيون لبسط نفوذهم على الجزيرة العربية والخليج، ووقع اختيارها على جزيرة"قشم" الإيرانية لإقامة قاعدة عسكرية دائمة فيها.

ولتحقيق هذه الأهداف تحركت حملة بريطانية كبرى من بومباي، في الثالث من تشرين ثاني/ نوفمبر 8191 تتألف من ست سفن حربية ضخمة وعدد كبير من السفن الحربية الخفيفة، وجيش مؤلف من ثلاثة ألاف جندي بقيادة الجنرال وليام جرانت، وكانت رأس الخيمة الهدف الأول لهذه الحملة، وقد وصلت إلى مشارفها مع أوائل كانون أول/ ديسمبر، فواجهت مقاومة عنيفة جدا من قبائل القواسم، الذين ابدوا شجاعة واستبسالا عظيمين دفاعا عن أرضهم ومياههم، ورغم التفاوت الكبير في العدة والعتاد بين الفريقين، إلا أن بريطانيا لم تستطع النزول إلى رأس الخيمة إلا بعد ستة أيام متواصلة من المعارك التي استخدمت فيها القوات البريطانية المدفعية، فدكت بها رأس الخيمة وألحقت فيها خسائر كبيرة، مما أرغم القواسم على التراجع. ويبدو أن هذه المعركة

 

وما نتج عنها من خسائر

 

وما مارسته بريطانيا فيها من قسوة، أثرت على معنويات القبائل الأخرى التي لم تبد أية مقاومة تذكر في وجه الزحف البريطاني، وهكذا أنزلت الحملة جنودها على الشواطئ، وأقامت حاميات عسكرية في المعاقل الرئيسية والإستراتيجية كان

أهمها رأس الخيمة، التي باشرت بريطانيا منها، حملة لإرغام رؤساء القبائل الساحلية على الدخول في معاهدات معها، كانت بمثابة تفويض للحكومة البريطانية في الشرق، بإدارة شؤون الجنوب الشرقي من بلاد العرب، وعرفت هذه المعاهدات بـ"معاهدات 1820".

 

البحرين لم تكن من بين الكيانات التي شملتها الحملة العسكرية. ولكنها كانت من الموقعين على معاهدات 1820. لأنها كانت تتعرض لأطماع عديدة من كيانات ودول مجاورة، وكان حكام البحرين من آل خليفة يجبرون على دفع الاتاوات لاسترضاء حكام تلك الدول والكيانات. إذ كانت البحرين وعلى مدى سنوات عديدة من تاريخها آنذاك، تشكل مطمعا للعديد من حكام الكيانات الخليجية لثرواتها وموقعها ومميزاتها العديدة، وكان حكام قطر من أقرباء آل خليفة ينظرون بحسد بالغ لأبناء عمومتهم حكام البحرين، ويبدون طمعا واضحا بالاستيلاء عليها ونهب خيراتها. وتذكر قصص التاريخ المحاولات الحثيثة التي بذلها البحار القطري"رحمة بن جابر آل جلاهمة" للاستيلاء على البحرين، وقد أغرى هذا البحار عام 1810"سودا" بالاستيلاء على البحرين، غير أن محاربي آل خليفة سرعان ما استردوها، مما دفع برحمة بن جابر إلى إغراء سلطان مسقط عام  1816لاحتلالها، وفشل هو الآخر بالسيطرة عليها، فيما استمر رحمة بشن غاراته الانتقامية على السفن البحرينية حتى قتل عام 1827.

 

إلى جانب هذه التهديدات، كانت مطامع مشيخات ساحل عمان تجاه البحرين لا تتوقف، وبلاد فارس تنظر إليها بجشع كبير، وبالتالي فقد وجد آل خليفة في النظم البريطانية الجديدة لتأمين حركة الملاحة، متنفسا لهم، فعمدوا إلى تكريس الاستفادة من هذه النظم بعقد اتفاقية تجارية مع بريطانيا، سمحت هذه الأخيرة بموجبها للسفن البحرينية برفع العلم البريطاني، وقد اعتبرت الاتفاقية في حينها، بمثابة اعتراف ضمني من بريطانيا بالبحرين ككيان مستقل.

 

وخلال الفترة من 1820وحتى 1860، استثمر حكام البحرين من آل خليفة، الظروف الآمنة في المنطقة فعملوا على توسيع تجارة البحرين، وتأمين المزيد من الموارد لها وتكريس استقلاليتها، بل باشروا إقامة علاقات تجارية "شبه دبلوماسية" مع عدد من الدول المجاورة من أبرزها العراق وبلاد فارس، إذ نجح الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة بإقامة علاقات تمثيلية مع بغداد وطهران، نصت على انتداب هاتين الأخيرتين، وكلاء لهما في البحرين، فاعتمدت دولة فارس وكيلا لها في البحرين، يدعى "ميرزا مهدي خان" كان معروفا بعدائه لبريطانيا، مما أدى إلى اعتراض بريطانيا على هذه الخطوة، وعلى توجهات الشيخ محمد بن خليفة وطموحاته السياسية والتجارية وقيامه بإنشاء قوة بحرية قوية.

 

حصار البحرين

 

غير أن الشيخ محمد بن خليفة، لم يعر الاعتراضات البريطانية غير الواضحة، أذنا صاغية. كما أن بريطانيا بدورها لم تعمل على تصعيد القضية مباشرة، وبالتالي فقد استمر الشيخ محمد بن خليفة في جهوده النهضوية، واستمرت بريطانيا ترقب هذه الطموحات بحذر بالغ، وتخوف حقيقي حتى عام 1861، حيث خرج "المستر جونز" من كلكتا على رأس حملة عسكرية بحرية، مكونة من أربع سفن حربية لمهاجمة البحرين وبعد حصار لميناء المنامة، ومفاوضات شاقة وطويلة مع الشيخ محمد بن خليفة، توصل الطرفان إلى توقيع معاهدة صداقة، في الثلاثين من أيار/ مايو تضمنت اعترافا بريطانيا رسميا بالبحرين كإمارة مستقلة... وجاء في تلك المعاهدة:

 

"نظرا للاضطرابات التي أحدثتها القبائل البحرية، فاني محمد بن خليفة، أعلن انضمامي إلى معاهدة الصداقة والسلم الدائم، التي تهدف إلى تقدم التجارة وسلامة جميع الشعوب التي تستخدم البحر لملاحتها". وتعرضت المعاهدة لمجموعة من الشروط والمبادئ، منها: "تأكيد جميع المعاهدات السابقة بين البحرين وبريطانيا، وتعهد شيخ البحرين بالامتناع عن أي اعتداء بحرب أو الاشتراك بأعمال "القرصنة". ما دامت بريطانيا تمده بالعون اللازم لحفظ جميع ممتلكاته من اعتداءات القبائل التي تسكن الخليج. وتنفيذا لهذا التعهد يقبل شيخ البحرين، أن يخبر المقيم العام البريطاني، بكل حادث اعتداء يقع عليه في اقرب وقت ممكن، ويقبله حكما بينه وبين المعتدين، ويتعهد بالا يتخذ هو أو احد رعاياه أي إجراء مضاد بدون موافقة الحكومة البريطانية وفقط في حال إذا رأت بريطانيا ضرورة ذلك، ويتعهد المقيم البريطاني بان يتخذ من جانبه الإجراءات اللازمة ضد المعتدين على شيخ البحرين أو رعاياه، إذا كان معتديا. كما يستطيع الرعايا البريطانيون الإقامة والتجارة في البحرين دون قيد لحريتهم، على أن يدفعوا جمركية عن بضائعهم، لا تزيد على 5 من قيمة تلك البضائع، ويتمتع هؤلاء الرعايا بامتيازات الدولة الأولى بالرعايا، وتحال الخلافات بين الرعايا البريطانيين وبين أهل البحرين إلى المقيم البريطاني في "بوشهر"، إذا لم يستطع الوكيل المحلي في البحرين تسوية هذه الخلافات، وكذلك يستطيع المقيم البريطاني منح وساطته، بشأن المنازعات التي تقع بين رعايا الإمارة وبين احد سكان موانئ الخليج، التابعة للقبائل الحليفة لبريطانيا".

 

لقد جاءت هذه الاتفاقية مشابهة لاتفاقيات الهدنة التي أبرمت سابقا بين بريطانيا ومشيخات الساحل، غير أن هذه الاتفاقية تميزت عن سابقاتها بالاعتراف البريطاني الصريح بالبحرين كإمارة مستقلة، كما تميزت بإقرار امتيازات قنصلية وقضائية، إضافة إلى امتيازات ضريبية وجمركية، وهي إن كانت تشابه الاتفاقية التي أبرمتها بريطانيا مع حاكم مسقط من حيث الامتيازات، فإنها لم تذهب إلى درجة إقرار نظام حماية رسمي من قبل بريطانيا للبحرين. وعلى العموم فقد حاول الشيخ محمد بن خليفة، الاستفادة إلى أقصى حد مما تتيح له هذه الاتفاقية، وتوظيف ذلك لصالح البحرين، إلا أن العلاقة بين الشيخ محمد بن خليفة وبريطانيا ظلت دون مستوى الرغبة البريطانية، برضوخ الشيخ محمد بن خليفة لها، وفي عام 1867، أي بعد توقيع تلك الاتفاقية بحوالي ست سنوات، شن الشيخ محمد بن خليفة غارة على شبه جزيرة قطر التي كان يعتبرها تابعة لنفوذه ويسعى لضمها إلى البحرين.

 

لقد كانت بريطانيا، وعلى مدى السنوات الست التالية لتوقيع معاهدة 1861، تشعر بالانزعاج من تصرفات وممارسات الشيخ محمد بن خليفة، المعروف بقوة شكيمته وعدم خضوعه للضغوط والإغراءات البريطانية، ولذلك فقد سارعت باستثمار واستغلال ما اعتبرته مخالفة صريحة لما نصت عليه معاهدة 1861، فأصدر المقيم البريطاني إنذارا للشيخ محمد بن خليفة، يدعوه فيه إلى وقف هجماته على قطر والعودة إلى بلاده، غير أن الشيخ محمد بن خليفة لم يذعن للإنذار البريطاني، واعتبر حملته على قطر عملا داخليا ولا يخضع لبنود المعاهدة السابقة الذكر. وهنا عمدت بريطانيا إلى استخدام قوتها العسكرية، فأرسلت قوة حربية مجهزة بأحدث الأسلحة وبأعداد كبيرة، وحاصرت البحرين في آب/ أغسطس عام 1868، وكان يقود هذه الحملة العسكرية "المستر بيلي"، الذي أبدى تشددا واضحا جدا في مفاوضاته مع الشيخ محمد بن خليفة، وأصر على تنحيته عن الحكم ومغادرة البحرين، وتسليم مقاليد الحكم إلى شقيقه الشيخ علي بن خليفة.

 

وتسلم الشيخ علي مقاليد الحكم في البحرين، غير أن الحصار البريطاني لم يرفع، إلا بعد تعهد الحاكم الجديد باحترام اتفاقية 1861، إضافة لقبوله بشروط تأديبية فرضها المقيم العام. وقد جاء في الوثيقة التي وقعها الطرفان: "بما أن محمد بن خليفة ارتكب عملا من أعمال (القرصنة)، فان صفته الشرعية كحاكم للبلاد قد زالت عنه..."! ثم تعرضت الاتفاقية إلى مجموعة من الشروط كانت بالغة القسوة، حيث تضمنت تسليم جميع السفن الحربية البحرينية إلى بريطانيا، ودفع مبلغ كبير كغرامة، تدفع إلى المقيم البريطاني، إضافة إلى الإشارة لأبعاد الشيخ محمد بن خليفة عن البحرين، مع الاشتراط على الحاكم الجديد، تسليم الشيخ محمد بن خليفة إلى المقيم البريطاني في حالة دخوله إلى الأراضي البحرينية، وفي حالة مخالفة الشيخ علي بن خليفة لنصوص هذه الوثيقة فانه يعتبر قد ارتكب عملا من أعمال (القرصنة). كما فرضت الوثيقة على الشيخ علي، تعيين مندوب دائم له في "بو شهر"، ليكون ممثلا للحاكم لدى المقيم العام.

 

لم يكتب النجاح والاستقرار لهذه الوثيقة القاسية، فقد حاول الشيخ علي بن خليفة التحلل منها، وكان ينتهز الفرص للخروج عليها. ورأت بريطانيا أن في نزوع الشيخ علي للخروج على سيطرتها خطورة تعادل خطورة ممارسات شقيقه الشيخ محمد بن خليفة، ولذلك فقد عادت إلى التدخل العسكري مرة أخرى، وفرضت على الشيخ علي اعتزال السلطة، وتسليم مقاليد الأمور إلى ابنه الشيخ عيسى بن علي، الذي أصبح حاكما للبحرين في عام 1869، وكانت هذه الحادثة فاتحة لمزيد من التدخلات البريطانية، وبداية لفرض العديد من الشروط على البحرين، بلغت ذروتها في عام 1892، حيث كان مجمل هذه الشروط والاتفاقيات غير المتكافئة يتضمن ما يلي:

- لا يحق للبحرين الاتصال بأية دولة أخرى أو إنشاء علاقة دبلوماسية، أو أية علاقة دولية معها إلا بموافقة بريطانيا.

- لا يجوز للبحرين عقد مفاوضات أو معاهدات، أو أية اتفاقيات دولية، مع أية دولة أخرى باستثناء بريطانيا، إلا بموافقة من الحكومة البريطانية.

- عدم التنازل عن أي جزء من أراضي الدولة أو حقوقها أو مياهها الإقليمية لصالح أية دولة أخرى، إلا بموافقة الحكومة البريطانية.

- حصر الامتيازات التي تمنح لاستخراج النفط والمعادن الأخرى، وأية امتيازات غيرها بالموافقة البريطانية المسبقة، ومقابل هذه الشروط والالتزامات، فقد أبدت بريطانيا التزامها بحماية البحرين من الاعتداءات الخارجية، والمحافظة على استقلال البلاد الذاتي، وعلى المصالح السياسية والاقتصادية للبحرين إضافة لحماية مصالح المواطنين البحرينيين في الخارج، وتسيير الأمور المتعلقة بالشؤون الخارجية.

 

اصدار وتنفيذ مركز الابداع العلمي - أسسه الباحث توفيق الحمد عام 1992 - البحرين