الرئيسية
مواقع مهمة
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
 
   
 

احداث العاشر من محرم

 

في صباح يوم الأحد 20 أيلول/ سبتمبر عام 1935 وفيما كان احد المواكب الحسينية يسير في شارع الشيخ عيسى "شارع بيلجريف سابقا" -وهذا الشارع يبدأ من شارع الحكومة إلى حديقة الأندلس- حدثت مشادة كلامية عادية بين عدد من المشاركين في الموكب وبعض المارة والمشاهدين.

كان الأمر عاديا جدا على الأقل في البداية، وكان يمكن أن يحدث مثل هذا الحادث في أي يوم، وربما حدثت حوادث مشابهة في أيام أخرى وربما في مواكب أخرى سابقة، غير أن هذا الحادث لم يمض عاديا، فثمة أصابع خفية كانت تخطط وتلعب بدهاء. والحقيقة أن عددا من العقلاء والوجهاء النافذين، بادروا من فورهم إلى تسوية الأمور وتلافي تصعيدها. وكادت هذه الجهود المشكورة تنجح لو لم يكن هناك من يصب الزيت على النار!.لم تكن الحكومة تتدخل في سير المواكب الحسينية إلا بالتنسيق مع هيئة المواكب، ثم القيام بواجباتها في حفظ الأمن والنظام، وتأمين الحماية والحراسة للمشاركين ومراقبة سير المواكب عن كثب.

ولذلك كانت الحكومة تنشر أفرادا من الشرطة على جوانب الطرقات للسيطرة على أي طارئ... وكان أن تدخل رجال الشرطة في الحادث المذكور بغية تفريق الشباب الذين تحمسوا لنصرة طرفي المشاجرة، ولإتاحة فرصة للعقلاء لإصلاح ذات البين.

وكانت هذه الفرصة المناسبة لتدخل الفئة المهيأة أصلا لافتعال المواجهة، فسارعت هذه الفئة إلى تسخين الأجواء وتحريض المتحمسين على مواجهة الشرطة، وهذا ما دفع بقوات الشرطة إلى طلب تعزيزات أمنية للحد من الاندفاعات المتهورة، وإبعاد أصحابها عن الساحة.ويبدو أن البعض فهم حركة الشرطة على إنها نية لاعتقال المشاركين أو هكذا أوهمتهم الفئة العابثة، فادى ذلك إلى حدوث هرج بين المشاركين واندفاعات خاطفة وسريعة و بدأوا يركضون في جميع الاتجاهات، فدخل بعضهم ساحة المعتمدية البريطانية القريبة من موقع الحادث، فحاول حراس المعتمدية منعهم من الدخول بإطلاق النار في الهواء، مما رفع من حدة الموقف وأدى إلى حدوث اشتباكات كان بعضها عنيفا. ونتج عنها إصابة عدد كبير بجراح تراوحت بين الخفيف والخطير، إضافة لأضرار أصابت الممتلكات العامة والخاصة.

وعمدت الحكومة بتوجيهات من سمو الشيخ سلمان بن حمد إلى معالجة الموقف بحكمة ودراية فاستعانت بقوات إضافية من الشرطة للمحافظة على الأمن، ومنع حدوث مصادمات ثأرية بين الطرفين، إضافة إلى إسعاف الجرحى، ثم الإيعاز لوجهاء الطرفين ببذل مساعيهم لتهدئة النفوس وضبط الأمور، ولتمكين رجال الأمن ورجال الصلح من إتمام مهامهم على أكمل وجه أصدر سمو الشيخ سلمان أمرا بمنع التجول ابتداء من الساعة الثامنة وحتى الساعة الخامسة صباحاكما تم منع التجمهر لأكثر من ستة أشخاص. وتحققت إرادة الحكمة والعقل سريعا فلم تكد تمض 24 ساعة على الحدث حتى كانت الأمور تعود إلى مجاريها والى سابق عهدها.حقيقة.

لقد كانت الأحداث مؤلمة جد فهزت البلاد، بل هزت قلب سمو الشيخ سلمان ليس بسبب الجراح التي تعرض لها أبناؤه من المواطنين فحسب، بل بسبب تحريك هذه الفتنة الأشد من القتل، في البحرين التي كانت نموذجا لتعايش السكان من جميع الفئات والطوائف.بالمقابل كان المستشار البريطاني بيلجريف لا يزال يلعب وفقا للقاعدة البريطانية الذهبية "فرق تسد" وكان يحاول عبثا التأثير على سمو الشيخ سلمان بالزعم بان الاتفاق بين طائفتي الشيعة والسنة في البلاد يشكل عامل خطورة!! غير أن محاولات المستشار للدس عند سمو الشيخ سلمان كانت دائما تواجه بحكمة سموه ودرايته وبعد نظره وإيمانه بالبحرين دولة شعبا واحدا، وأسرة واحدة متماسكة.

ويبدو أن المستشار الإنجليزي أدرك فشله فيما كان يرمي إليه، فلجأ إلى أسلوب آخر وهو التهويل "ليجعل من الحبة قبة" كما يقولون... وانتهج لتحقيق ذلك أسلوبا غريبا جدا لا سيما من موظف كبير بهذا الوزن والقيمة، إذ جعل من نفسه مراسلا صحفيا للصحف البريطانية يزودها بالأخبار الملفقة والمليئة بالمبالغات والدس الرخيص حول ما يجري في البحرين.ولعل من المناسب هنا أن نستشهد بخبر نشرته "التايمز" اللندنية عن تلك الأحداث يحمل قدرا كبيرا من الدس والصيد في الماء العكر، يقول الخبر:" "خلال احد المواكب الدينية التي يقوم بها الشيعة في العاشر من محرم الذي صادف 20 أيلول/ سبتمبر، جرت اشتباكات عنيفة جدا بين مجموعة من الشيعة ومجموعة من السنة"، وإذا ما عرفنا أن هذا الخبر وصل إلى الجريدة من المستشار "المراسل"! وإذا ما عرفنا أن برقيات أخرى أرسلت منه إلى عدد من الصحف البريطانية تحمل نفس الدس، فان السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ما هي دوافع المستشار الإنجليزي من وراء مثل هذه الممارسة الغريبة، وغير المناسبة لمركزه بل والمتعارضة مع واجباته؟!كانت جعبة المسؤولين البريطانيين في البحرين في تلك الأيام حافلة بالمفاجآت..

وكان التاريخ يسجل... يسجل فشل أصحاب الفتنة في إشعالها لدرجة تهدد استقرار البلاد وتزعزع أمنها.. ويسجل حكمة سمو الشيخ سلمان في تلافي تصعيد الأمور والمواجهة...

كما سجل أيضا، واحدا من الأحداث، التي عركت خبرة الشقيقين المبكرة، ومبادرتهما للتعامل مع الحدث، بالصورة التي رضي عنها سمو الشيخ الوالد، كحاكم يراقب تعامل مساعديه مع الأحداث الخطيرة، وكوالد يراقب ثمرة ما زرعه في أبنائه، ومنحهم إياه، من قدرة على إدارة الأزمات، ومواجهتها.

ويتذكر سمو الشيخ خليفة، كيف سارع وشقيقه، إلى الالتقاء، فور سماع أخبار الحادث، وكيف بحثا الأمر معا، وخرجا بقرار مدروس، حكيم، ففي الوقت الذي كانت حصة سمو الشيخ عيسى من الواجب، تقتضي منه، مواكبة الوالد، والوقوف معه، والاشتراك في المباحثات التي انعقدت في مجلس الحاكم لحل تلك المشكلة، في نفس الوقت، توجه سمو الشيخ خليفة، إلى موقع الحدث، ووجه المسؤولين إلى ضرورة التعامل مع الأمر بالحكمة وضبط النفس.

 

اصدار وتنفيذ مركز الابداع العلمي - أسسه الباحث توفيق الحمد عام 1992 - البحرين