الرئيسية

قيام الدولة

 

   منذ أن أعلنت بريطانيا رغبتها في الانسحاب من الخليج العربي سارع سموالشيخ خليفة بن سلمان لمواجهة مشكلة مطالبة إيران بالبحرين ، وإيجاد الية محددة لتجاوزها، حيث ان سموه أعلن ومنذ البداية، ان البحرين دولة ذات كيان ثابت، وجوهري، وهي لن تساوم مطلقا في ذلك، كما انها لن تتنازل عن أي شبر من أراضيها. وعلى هذا الأساس بدأ سموه جهوده على مختلف الأصعدة. فباشر إجراء اتصالات مع مختلف الزعماء والقادة في جميع انحاء العالم، لتوضيح وجهة النظر البحرينية، وتأكيد الموقف البحريني،ولاستقطاب الدعم العالمي للآمال والرغبات الوطنية البحرينية.

 أما على الصعيد الداخلي فقد توجهت اهتمامات سموه إلى تكريس القناعة لدى المواطنين أولا بمسألة عروبة البحرين واستقلال كيانها ووحدة أراضيها، وأنها لن تكون لقمة سائغة لطامع أو معتد. وفي الإتجاه الثاني عمل سموه على تأمين الاستقرار الاقتصادي والمالي في البلاد إبان تلك المرحلة، خاصة بعد أن سارع عدد كبير من أصحاب رؤوس الأموال إلى ترحيل أموالهم خارج البحرين، خوفا من اجتياح إيراني (!) كما عمل سموه على تأمين الإمدادات الغذائية، والإستراتيجية للبحرين، وبما يكفي سكانها لفترة طويلة، خوفا من خطوة إيرانية قد تعيق وصول هذه الإمدادات إلى البحرين، وتتويجا لهذه الجهود، كانت توجيهات سمو الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان، واتصالاته، ومشاوراته مع إخوانه القادة العرب عاملا دافعا لإعطاء المسألة بعدا عربيا.

   ففي الإطار الدبلوماسي وبعد رحلات مكوكية، قامت بها القيادة البحرينية لعدد من الدول العربية والصديقة، ونتيجة للوساطة السعودية والكويتية والبريطانية مع القيادة الإيرانية، فقد أعدت الترتيبات في عام 1968 لعقد اجتماعات ولقاءات استطلاعية بين الطرفين، جرت سرا في سويسرا. وكانت هذه اللقاءات تهدف إلى استطلاع وجهات النظر لدى المسئولين في الدولتين، إضافة لوضع إطار عام لأجندة المباحثات الرسمية.

في هذه اللقاءات قدم الإيرانيون عدة اقتراحات لحل الخلاف، منها عرض النزاع على مجلس الأمن الدولي للنظر فيه وفقا للمادتين 34 و35 من ميثاق الأمم المتحدة. وكان هذا الاقتراح الأول. وقد ردت عليه البحرين بالرفض، ودفعت بمجموعة من الأسباب القانونية تؤيد موقفها.

 أما الاقتراح الإيراني الثاني فكان عرض القضية على اللجنة الخاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة، كموضوع من موضوعات

مكافحة الاستعمار , أو العرض على محكمة العدل الدولية، للنظر فيه كنزاع قانوني يتعلق بدعوى السيادة على الإقليم، وقد رفضت البحرين هذين الاقتراحين أيضا، وكانت الدفوعات البحرينية تنطلق من ان هذه الاقتراحات التي أدلى بها الجانب الإيراني لا تنطبق على البحرين وأسس النزاع بينها وبين إيران، إذ ان البحرين كانت وما تزال كيانا مستقلا غير مرتبط بأي دولة أو كيان آخر، وبالتالي فان بحث القضية -بحسب المادتين 34 و35 من ميثاق الأمم المتحدة وهما تعالجان النزاع بين دولتين عضوين في الأمم المتحدة -لا يناسب الجانب البحريني، الذي يطالب بأن تكون المباحثات في القضية بشكل مباشر بين الدولتين ككيانين مستقلين.

وفي المقابل قدم الجانب البحريني مقترحات بديلة، تذهب إلى عرض النزاع على المنظمات الإقليمية، أو على بعض رؤساء الدول الصديقة للجانبين، لإيجاد مخرج وحل يحقق مصلحة الطرفين، ورفض الجانب الإيراني هذين الاقتراحين أيضا، وبالتالي فقد توقفت المباحثات عند هذا الحد ودون الوصول إلى حل للقضية، أو الاتفاق على برنامج عمل مستقبلي، مع إبقاء الباب مفتوحا لإجراء المزيد من المباحثات والمشاورات في وقت لاحق. ومما سجلته من ذكريات سمو الشيخ خليفة عن جلسات مباحثات جنيف، بين الوفدين الإيراني والبحريني، الذي كان سموه يرأسه، ان رئيس الوفد الإيراني، استهل أولى جلسات المباحثات، بالتهديد والوعيد، قائلا: "ان بإمكان إيران إرسال سفنها الحربية، إلى البحرين، واحتلالها خلال ساعات، وحسم  المسألة"عندئذ، ورغم ما يتمتع به سمو الشيخ خليفة من دبلوماسية، وهدوء، فقد كان لا بد من توجيه رسالة واضحة وحازمة للوفد الإيراني. ولذلك، فقد رد سمو الشيخ خليفة، بحزمه، وهدوئه اللذين لم يتخل عنهما، رغم التبجح الذي أبداه رئيس الوفد الإيراني.. وقال سموه: "ان البحرين قد تكون صغيرة المساحة، إلا اننا سوف ندافع عنها بكل ما نملك من قوة، وإيمان، وعزيمة، وحتى آخر قطرة من دمائنا. ولن ينزل جندي أجنبي على أرضنا، إلا ليجدها نارا مشتعلة".

ورغم هذه الانتكاسة لأول مباحثات ثنائية بين الجانبين، فقد استمرت الجهود والاتصالات البحرينية وعلى أعلى المستويات، لشرح القضية البحرينية لزعماء ورؤساء دول عديدة من اجل بذل مساعيهم لدى شاه إيران ...

وقد تتوجت نتائج هذه المساعي فعليا، خلال زيارة قام بها الشاه للهند في الرابع من يناير 1969 حيث أعلن الشاه قبول إيران لحل النزاع مع البحرين، عن طريق المفاوضات ورفضها اللجوء لاستخدام القوة، وفرض الأمر الإيراني الواقع على البحرين، كما أكد الشاه رغبته واستعداده لتأييد حق تقرير المصير للشعب البحريني...

 وتجاوب سمو الشيخ عيسى بن سلمان رحمه الله وسمو الشيخ خليفة بن سلمان مع هذه المبادرة الإيرانية فورا، حيث صدر المرسوم رقم(1)لسنة 1969، والقاضي بإنشاء دائرة الخارجية اعتبارا من 12 يناير عام 1969، واسند المرسوم إلى الدائرة المعنية مسؤولية العلاقات الدولية للبحرين،في مختلف المجالات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية. ثم أصدر سموه المرسوم السامي رقم(2)، بتعيين الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة، مديرا للدائرة، وفي المرسوم الثالث، أمر سموه بتعيين الدكتور حسين محمد البحارنة، مستشارا قانونيا لدائرة الخارجية.

واعتبارا من هذا التاريخ، تولت البحرين رسميا إدارة ومعالجة شؤونها الخارجية، بعد ان كانت ضمن المسؤولية البريطانية ، وعلى هذا الأساس استمرت الاتصالات بين الخبراء والسياسيين في البلدين، حيث توصل الطرفان أوائل عام 1969 إلى أجندة أولية وقاعدة مشتركة للتفاهم ،وتضمن الاتفاق مشروعا يقضي بالطلب من الأمين العام للأمم المتحدة التوسط في النزاع من خلال مساعيه الحميدة.

لقد كان هذا المشروع يتطلب إجراء تفاهم بين الطرفين، واتفاق حول تحديد صلاحيات الأمين العام في المهمة التي سيتولاها، ولذلك فقد أجريت محادثات غير مباشرة بين الطرفين، ومن خلال وزارة الخارجية البريطانية، وعند إعداد نص المذكرة التي تحدد صلاحيات الأمين العام وممثله الشخصي، التزم الجانب البحريني موقفا مبدئيا حازما، تجاه استخدام المادتين 34 و35 من ميثاق الأمم المتحدة في المذكرة ، باعتبار ان النزاع في الأصل بين البحرين كحكومة مستقلة وبين إيران كحكومة مستقلة، وليس النزاع بين إيران وبريطانيا على إقليم البحرين، وبالمقابل فان إيران بدورها لم تكن قد اعترفت بالبحرين كدولة مستقلة، ولذلك فقد تم التوافق على ان تتقدم البحرين بطلبها للامين العام من خلال المملكة المتحدة، وبصفتها المزدوجة كعضو في الأمم المتحدة ودولة حامية للبحرين تتولى شؤونها الخارجية نيابة عنها ، وفي النهاية فقد تم إقرار نص يغفل اية إشارة إلى النزاع أو يستخدم كلمتي بريطانيا وإيران. وجاء النص المتفق عليه كالتالي "نظرا للمشكلة الناشئة نتيجة لاختلال آراء الأطراف المعنية بشأن وضع البحرين، وحيث ان الحاجة تستدعي التوصل إلى حل للمشكلة كوسيلة لخلق جو من الاستقرار، والصداقة في أرجاء المنطقة، فقد طلبت الأطراف المعنية من الأمين العام للأمم المتحدة، بان يرسل ممثلا شخصيا للتحقق من رغبات شعب البحرين".

ومع ان هذه الوثيقة حققت اتفاقا بين الأطراف المعنية، على تحديد صلاحيات الأمين العام وممثله، إلا أنها أثارت جدلا حول أجندة العمل وبرنامج وطريقة قيام الممثل الشخصي للأمين العام بمهماته الموكلة إليه، وكان موقف الجانب الإيراني يرفض إعداد وثيقة مكتوبة بهذا الشأن، تاركا الخيار الشخصي. أما الجانب البحرين، فقد اتخذ موقفا منصبا بالدرجة الأولى على التفريق بين طريقة قيام الممثل الشخصي، لإنجاز مساعيه الحميدة المقررة وبين أية طريقة أخرى قد تقود إلى إجراء استفتاء عام في البحرين، وكان الجانب البحريني، يرى ان مهمة الممثل الشخصي والأمين العام، هي مهمة محددة وبالتالي فيجب ان يكون تنفيذها، وفق أجندة محدودة.

وقد اقترحت بريطانيا عقد اجتماع في جنيف، يضم مندوبين عن حكومة البحرين ومندوبي الأمم المتحدة برعاية بريطانية لإعداد أجندة عمل محددة، لمهمة الممثل الشخصي في البحرين. وانعقد الاجتماع بعد ظهر يوم 31 ديسمبر عام 1969، حيث ترتب عليه إعداد وثيقة من خمسة بنود عالجت طريقة العمل والإجراءات المتعلقة بتنفيذ مهمة الممثل الشخصي في البحرين، وفقا لنص الوثيقة المحددة لصلاحيات الممثل الشخصي.

وفي الثامن والعشرين من مارس عام 1970، صدر عن الأمين العام للأمم المتحدة بيان رسمي بصدد مهمة ممثله الشخصي في البحرين، هذا نصه: "نتيجة للمباحثات التي تمت بين المندوب الدائم للمملكة المتحدة لدى الأمم المتحدة والأمين العام، بشأن ممارسة الأخير مساعيه الحميدة في الخلاف بين بريطانيا وإيران والبحرين، تقدم في 9 مارس عام 1970، المندوب الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة طالبا من الأمين العام، ان يمارس مساعيه الحميدة لحل الخلاف بين إيران وبريطانيا بطريقة تضمن التحقق من الرغبات الحقيقية لشعب البحرين، فيما يتعلق بمستقبل الجزر وذلك بتعيين ممثل شخصي لإنجاز هذه المهمة ...

وقد ردت الحكومة البريطانية على بيان الأمين العام للأمم المتحدة، المرفق بخطاب المندوب الإيراني، بتوجيه خطاب من المندوب البريطاني إلى الأمين العام للأمم المتحدة، جاء فيه: "يسر حكومة المملكة المتحدة (نيابة عن البحرين) ان تبلغ سعادة الأمين العام موافقتها على اقتراح الحكومة الإيرانية، حول الطلب من سعادتكم ان تمارسوا مساعيكم الحميدة، عن طريق إرسال ممثل شخصي للتحقق من رغبات شعب البحرين". وفي 20 مارس عام 1970، وجه الأمين العام للأمم المتحدة، إلى حكومتي إيران والمملكة المتحدة إشعارا بموافقته على الطلب المقدم من هاتين الحكومتين وعبر فيه عن استعداده لمباشرة مساعيه الحميدة للتحقق من رغبات الشعب البحريني، وفقا للصلاحيات التي اتفق الطرفان على إناطتها بالممثل الشخصي، وبرنامج العمل المحدد ،وفي هذا الصدد قال الأمين العام في إشعاره المذكور: "ان الممثل الشخصي الذي وافق الطرفان على تعيينه سيتجه إلى البحرين مع عدد من الموظفين بأسرع فرصة ممكنة، وقد أعطيت التأكيدات للامين العام، بان المجال سيتاح لشعب البحرين للتعبير عن رغباته وبحرية تامة وسرية، إضافة إلى تسهيل مقابلة الممثل الشخصي لمن يشاء من المواطنين، وعلى ان يقدم الممثل الشخصي تقريرا عن نتائج تحرياته في البحرين، إلى الأمين العام،الذي سيقوم بدوره بوضع هذا التقرير أمام مجلس الأمن لمناقشته، وإقراره، وذلك وفق ما اتفق عليه الطرفان.


ان الأمين العام يشيد باستعداد حكومة إيران، اعتماد تقريره الخاص، بشأن طريقة العمل التي يراها مناسبة لإنجاز مهمة ممثله الشخصي ومساعيه الحميدة. ان تحقيق رغبات شعب البحرين ستكون الأساس والهدف الأسمى لمهمة الأمين العام، بشأن ممارسة مساعيه الحميدة في البحرين".
ونسبير في البحرين

 في البحرين كانت الأجواء معدة تماما، لاستقبال بعثة الأمم المتحدة. ففي التاسع والعشرين من مارس عام 1970، بثت الإذاعة بيانا صادرا عن مجلس الدولة، وموجها إلى المواطنين، جاء فيه: "ان الموقف الإيراني، هو من الأمور التي يجب معالجتها جذريا، لا باعتبار ذلك مسألة تخص البحرين فحسب، بل لضمان مستقبل المنطقة". وأضاف البيان: "ان تأكيد عروبة البحرين من المسلمات البديهية التي لا تترك مجالا لأي ادعاء. ومع ذلك فان البحرين، وإيمانا منها بالمنظمة العالمية توافق على قرار الأمين العام، بإرسال مندوب عنه لتقصي الحقائق، ليستطيع رفع تقريره إلى مجلس الأمن الدولي، ليصادق عليه كوثيقة دولية تضع حدا نهائيا للخلاف، ان ممثل الأمين العام، المستر ونسبير، سيصل البحرين، ومن واجبنا حفظ النظام، وحسن الاستقبال لنمكن البعثة من أداء واجبها".

على الجهة الأخرى، برزت مواقف مناهضة للبعثة، ولجهود الأمم المتحدة، والإجماع الدولي، بهذا الخصوص، فقد أصدرت "الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي" بيانا هاجمت فيه بعثة تقصي الحقائق الدولية،، وادعت ان ذلك من مخططات بريطانيا، وأمريكا وإيران!!!

وبالنتيجة، فقد كانت البحرين، قيادة وشعبا، تعلن ترحيبها بالبعثة، التي وصلت إلى المنامة، يوم 20 مارس عام 1970، برئاسة السيد ونسبير جويشياردي. وهو دبلوماسي ايطاليا، شغل منصب وكيل وزارة الخارجية في بلاده، ثم سفيرا في عدد من العواصم الأوروبية، ثم عين رئيسا لمكتب الأمم المتحدة في جنيف عام1965، ثم مساعدا للامين العام، إلى ان انتدبه يوثانت، ليمثله رئيسا لبعثة تقصي الحقائق في البحرين، على ان الثابت تاريخيا، ان ونسبير، لم يقصر مهمته تلك على الاتصال مع الهيئات الرسمية فقط، بل اخذ يتجول بنفسه، في المدن والقرى، والأسواق، ويدخل البيوت، مستطلعا آراء المواطنين، ورغباتهم، كما نشر إعلانا في الأسبوع الثاني من وصوله، يوضح فيه استعداده لاستقبال أي شخص، يرغب بلقائه في مكتبه، دون قيد أو شرط، ومن غير حضور أي ممثل عن الحكومة البحرينية واستمرت المهمة عشرين يوما، عاد الوفد بعدها إلى جنيف، حيث قدم ونسبير تقريره إلى الأمين العام مشفوعا باستنتاجات البعثة، وتوصياتها الختامية.

وفي جنيف، وقبل عقد الجلسة الخاصة بالتصديق، واصدار قرار مجلس الأمين بشأن البحرين، كان الوفد البحريني، الذي سافر إلى هناك لحضور الجلسة كمراقب، يقوم بنشاطات مكثفة مع مندوبي الدول الأعضاء، وعقد الوفد المكون من رئيس دائرة الخارجية، الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة، والمستشار القانوني في الدائرة الدكتور حسين محمد البحارنة، اجتماعات مع أمين عام الأمم المتحدة ، يوثانت، ومساعديه، والمسيو جاك كوسيكو موريز، مندوب فرنسا، الذي كان يرأس مجلس الأمن لتلك الدورة، كما عقد الوفد اجتماعا مع المجموعة العربية في الأمم المتحدة، وتقرر على اثر هذا الاجتماع ان يقوم مندوب سوريا في مجلس الأمن، بالتعبير عن وجهة النظر العربية حول هذه القضية.

وفي 11 مايو عام 1970، عرض الأمين العام تقرير ممثله الشخصي على مجلس الأمن الدولي للمناقشة وإصدار القرار، وفي مستهل الجلسة أشار رئيس المجلس إلى غايات هذا الاجتماع قائلا: "يجتمع المجلس اليوم بناء على طلب مندوبي إيران والمملكة المتحدة، وذلك لبحث موضوع البحرين على أساس التقرير الذي قدمه الممثل الشخصي للامين العام".

وبعد تلاوة التقرير، طلب الرئيس من أعضاء المجلس التصويت على مشروع قرار اعد سلفا بمعرفة الأعضاء. وقد جاء في نص هذا المشروع: "بعد الإطلاع على بيان الأمين العام أمام مجلس الأمن بتاريخ 28 مارس 1970، وعلى تصريحات مندوبي إيران والمملكة المتحدة، في خطابيهما إلى المجلس بتاريخ 9 و20 مارس عام 1970.

يصادق مجلس الأمن على تقرير الممثل الشخصي للامين العام، الذي عرض على المجلس، مشفوعا بمذكرة من الأمين العام بتاريخ 30 ابريل 1970 .

يرحب المجلس بالاستنتاجات والنتائج التي توصل إليها التقرير وخاصة تلك التي تؤكد بان الأغلبية الساحقة من الشعب البحريني ترغب في ان تنال الاعتراف بذاتيتها، ضمن دولة مستقلة وذات سيادة تامة حرة، وبحيث تقرر بنفسها علاقاتها مع الدول الأخرى".

وعند التصويت نال القرار المصادقة بالاجماع ،ثم القى المندوبون الاعضاءكلمات دولهم التي تراوحت بين الترحيب ، و بين الاشارة إلى ان طريقة الممثل الشخصي ، بالتحقق من رغبات الشعب البحريني كانت مخالفة للعرف المألوف لدى الأمم المتحدة . غير ان السيد يوثانت لم يتوان عن الرد على هذا القول،مؤكداً ان مهمته و طريقة تنفيذها تنسجمان تماماًمع الاجراءات المألوفة لدى المنظمة الدولية .

هكذا كانت تجري المداولات المتعلقة بمستقبل البحرين، في الأمم المتحدة.. فيما كانت البحرين، ترقب بإعجاب حنكة رجالها المخلصين، الذين استطاعوا استقطاب تعاطف العالم، تجاه أمال البحرينيين، وحقوق بلادهم. أما على الصعيد العربي، فقد كان ثمة تعاطف وجهود عربية، تدعم القضية البحرينية، غير

 ان أحداثا أخرى، عصفت بالمنطقة، جعلت الأضواء، تتجه، بين حين وأخر، إلى حيث تجري هذه الأحداث. ففي ليبيا، قام عدد من الضباط اللليبيين بانقلاب عسكري، ابيض، أنهى حكم آل السنوسي، وخلع الملك محمد إدريس، عن سدة الحكم الملكي، ليتحول حكم البلاد، إلى النظام الجمهوري، وتسلم مقاليد الرئاسة في البلاد، الملازم "آنذاك" معمر ألقذافي، الذي رفع رتبته العسكرية إلى عقيد.

ولم تكد الأحداث، تهدأ في ليبيا، حتى كانت الأضواء، تتجه إلى الأردن، حيث اندلعت في سبتمبر عام 1970، عمليات عسكرية ومعارك دموية واسعة النطاق، بين الجيش الأردني والمنظمات الفدائية الفلسطينية، التي دأبت ومنذ انتهاء حرب عام 1967- إلى ما انتهت إليه- على تشكيل مجموعات مسلحة، كانت تقوم بعمليات عسكرية انتقامية، ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي هدفا لتهديدات إسرائيلية مستمرة. وعمليات عسكرية، وحربية، شاركت فيها الطائرات والمدفعية الإسرائيلية، وأدت إلى خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات، تكبدها الجيش والشعب الأردني.

بدأت العمليات، فردية، على نحو ما، في عمان، غير انها سرعان ما امتدت إلى المناطق المحيطة، وعدد من المدن الأردنية. واتسعت مساحات المعارك، التي أدت إلى سقوط المئات من القتلى والضحايا، واشتراك سوريا، في المعارك، ودخول جيشها إلى الأراضي الأردنية. وقد تداعت الدول العربية، إلى عقد اجتماع للزعماء العرب، في القاهرة، لمناقشة كيفية إنهاء الحرب الأهلية في الأردن، وإنقاذ القوات الفلسطينية من الابادة والهلاك، وبعد اجتماعات ومداولات عدة، تم التوصل إلى اتفاق عربي، بنقل العناصر الفلسطينية المسلحة إلى قواعد في سوريا وجنوب لبنان، على ان ترعى الحكومة الأردنية، عائلات المقاتلين الفلسطينيين، وتوفر لهم الرعاية الاجتماعية والصحية اللازمة.

لقد مثلت تلك الحرب الأهلية، مرحلة من مراحل الذروة، في الآلام العربية، التي عانى منها الشعوب والقادة على حد سواء... ووصلت الآلام هذه، قمة الذروة، عندما وضعت أزمة قلبية شديدة، حدا لحياة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ولسنوات حكمه، التي بدأت رسميا في 16 يناير عام 1956، وانتهت مساء 28 سبتمبر عام 1970 .

وكما اقلق البحرين، ما كان يحدث من معارك دامية، في الأردن، بين الأخوة العرب... فقد آلمها فقدان الزعيم العربي، جمال عبد الناصر، الذي ترتب على وفاته، شمول الحزن، كافة أرجاء البحرين، التي شاركت بقية الدول والشعوب العربية، الحداد الرسمي والشعبي، على الفقيد الكبير، كما كان صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان رحمه الله، في مقدمة القادة، الذين وصلوا القاهرة للتعزية باسم البحرين، والمشاركة بتشييع جثمان الزعيم الراحل.
الاستقلال وقيام الدولة

حتى عام 1971، لم تكن البحرين نالت استقلالها الكامل، والتام.. صحيح ان جهود صاحب السمو الشيخ سلمان بن حمد وأنجاله أصحاب السمو الشيخ عيسى والشيخ خليفة أبقت البحرين كدولة وكيان على مسافة مأمونة من التدخلات البريطانية المتعلقة بالقرارات السياسية العليا، إلا ان ذلك لم يكن يكفي للتعبير عن أمال وطموحات القيادة الحاكمة والشعب. ومع صباح اليوم الرابع عشر من شهر أغسطس عام 1971، كانت كل البحرين، والشرفاء في مختلف أنحاء العالم العربي، ينتظرون البيان الهام، الذي كانت ستبثه إذاعة البحرين، ومن دار الحكومة التي كانت شهدت خلال الأيام السابقة، اجتماعات حثيثة ومحاورات ونقاشات مكثفة بين رجالات الدولة، تمهيدا لهذا اليوم الأغر... من دار الحكومة حيث مقر سمو الشيخ خليفة بن سلمان، رئيس مجلس الدولة انطلقت الكلمات التي لطالما كانت حلما بحرينيا وعربيا على مدى سنوات عديدة... وكان مطلق هذه الكلمات سمو الشيخ خليفة بن سلمان الذي جاهد جهاد الأبطال لإيصال البحرين إلى هذه اللحظة التاريخية الباهرة في ظل قيادة شقيقه المغفور له سمو الشيخ عيسى بن سلمان طيب الله ثراه.

"بسم الله الرحمن الرحيم.. ان البحرين الدولة العربية المسلمة، التي تؤمن بالوحدة العربية، كضرورة قومية ملحة يفرضها عليها التاريخ والدين واللغة والثقافة، والمصير العربي المشترك... قد عملت بجد وإخلاص وسعت جاهدة في سبيل تحقيق قيام اتحاد الإمارات العربية على مدى الثلاث سنوات الماضية، وذلك منذ ان اشتركت حكومة البحرين مع جاراتها الإمارات العربية في التوقيع على اتفاقية مشروع اتحاد الإمارات العربية، الموقعة في إمارة دبي في 27 فبراير عام 1968، وبدافع من إيماننا المطلق بضرورة قيام هذا الاتحاد للأمارات العربية، واستكمال شكله الدستوري الصحيح النابع من صميم تطلعات وآمال الشعب في هذه المنطقة، ورغبة منا في ان تشاد ركائز هذا الاتحاد المطلوب على أسس ومبادئ متينة وقوية تكفل له البقاء والتطور، ولشعب المنطقة الكرامة والرفاهية والتقدم، فان حكومتنا قد ركزت في محادثاتها الطويلة على مبادئ أساسية نادت بها في كل اجتماع أو مؤتمر حضرته خلال السنوات الماضية.

وأضاف سموه: "... نتيجة لذلك لم يكن للبحرين أي مناص من التفكير في بديل يصون لنا كياننا واستقلالنا، خاصة بعد صدور قرار مجلس الأمن التاريخي في 11 مايو عام 1970 الذي أكد بصورة قطعية ومبادرة رغبة شعب البحرين في الحصول على اعتراف دولي بكيانه وشخصيته كشعب ينتمي إلى دولة مستقلة ذات سيادة وحرة في تقرير أسس علاقاتها بالدول الأخرى.... وعلى ضوء هذا القرار

 التاريخي للمنظمة الدولية، والذي يجسد رغبات شعب البحرين الوطنية، وتطلعاته نحو المستقبل، ونظرا لان المساعي المشكورة لوفد الوساطة السعودي الكويتي، لم تؤد فعلا إلى قيام الاتحاد المنشود، وحيث اننا بدافع من رغبات وتطلعات شعبنا التي تنسجم مع المصلحة القومية العليا لشعوب دول وإمارات بهذه المنطقة الحيوية، من حيث تطلعها جميعا إلى المحافظة على آمن واستقرار وتطور هذه المنطقة في جو من الأخوة والسلام وحسن الجوار.. فعليه... ومن اجل هذا كله، وبعد المشاورات الأخوية والودية التي أجريناها مع شقيقاتنا الكبرى وجاراتنا في الخليج، قررنا ان نعلن في هذا اليوم عزم حكومتنا على اتخاذ الخطوات التالية:

أولا: إنهاء جميع المعاهدات والاتفاقيات السياسية والعسكرية التي تنظم علاقات التحالف الخاصة بين حكومة البحرين والحكومة البريطانية، وعليه فقد بوشر فعلا بالانسحاب العسكري البريطاني من أراضي البحرين.

ثانيا: ان البحرين الدولة العربية المستقلة هي صاحبة السيادة المطلقة على أراضيها، وان لحكومتها دون غيرها حق تصديق شؤونها الخارجية وتنظيم علاقاتها الدولية.

ثالثا: التقدم فورا بطلب انضمام دولة البحرين إلى عضوية كل من الجامعة العربية وهيئة الأمم المتحدة.

رابعا: الطلب من الدول العربية الشقيقة والدول الإسلامية الصديقة ومن دول العالم الأخرى الاعتراف بوضع وكيان البحرين كدولة عربية مستقلة ذات سيادة.

بهذه الكلمات المختصرة والهادئة.. الواثقة، وضع سمو الشيخ خليفة نهاية عصر كامل من التبعية، وجدت البحرين نفسها مجبرة عليه... وبهذه الكلمات رسم الشيخ خليفة ملامح الآتي لمستقبل البحرين كدولة عربية حرة مستقلة ذات سيادة مطلقة على نفسها وشعبها وأرضها ومقدراتها.. وحقق بذلك الحلم الذي توارثه البحرينيون خلفا عن سلف، والحلم الذي عمل سمو الشيخ سلمان بن حمد وبعده سمو الشيخ عيسى وسمو الشيخ خليفة على تحقيقه وإهدائه للبحرين.

 

المرسوم الأول



في اليوم التالي صدر المرسوم الأول عن أمير البلاد المفدى كحاكم لدولة عربية مستقلة استقلالا تاما.. وحمل المرسوم الرقم (1) لسنة 1971، وجاء في المادتين :

المادة الأولـى : يكون الاسم الرسمي لإمارة البحرين وتوابعها "دولة البحرين".

المادة الثانيـة : يكون اللقب الرسمي لحاكم البحرين وتوابعها "أمير دولة البحرين".

في المرسوم الثاني انشأ سمو أمير الدولة مجلسا يخلف مجلس الدولة يسمى "مجلس الوزراء" يرأسه رئيس يسمى "رئيس مجلس الوزراء" فيما يسمى أعضاء المجلس "وزراء" وتسمى دوائر الحكومة الحالية "وزارات".

وفي مساء الأربعاء 18 أغسطس 1971، عقد مجلس وزراء دولة البحرين أول اجتماع في تاريخه حيث ترأس الاجتماع سمو الشيخ خليفة الذي ناقش مع المجلس الأمور المترتبة على إعلان استقلال البحرين، وما سوف تتخذه الدولة من خطوات لضمان تحقيق ذلك فعليا، وتكريسه على ارض الواقع.

ان الخبرة التي كرست دراية وسياسية سمو الشيخ خليفة، هيأته ليكون خير من يتولى مهام الإدارة التنفيذية في مثل هذه المرحلة الحساسة من تاريخ البحرين... وعليه فقد باشر سموه، إعداد أول دستور للبحرين. ولتحقيق هذه الغاية بدأ سموه مشاورات واجتماعات يومية مع عدد كبير من رجالات البلاد وخبراء الدستور والقانون في عدد من الدول الصديقة والشقيقة، وطلب سموه من جميع أصحاب الخبرة والرأي الاشتراك في هذه المشاورات الديمقراطية، حيث شاركت الصحف بدورها من خلال نشر الموضوعات والتحليلات الصحفية، وآراء المواطنين وبما يشبه استفتاء عاما لمختلف فئات الشعب، رصد رغبات أفراده وطموحات أبناء البحرين لرؤية الدولة التي يحلمون بها.

كان ثمة قضايا عديدة يجب إقرارها قبيل الوصول إلى صياغة الدستور وكان لا بد من تكريس المبادئ التي سيقوم عليها هذا الدستور. وكان ثمة نماذج عربية وخليجية سابقة يمكن ان توضع قيد التطبيق في دولة البحرين الفتية... ولذلك فقد أثيرت مجموعة من التساؤلات حول آلية وضع الدستور وما هي المؤسسة التي ستأخذ دور وضع هذا الدستور... هل هي مجلس تأسيسي كما حدث في الكويت عام 1961، ام هيئة مكلفة من السلطة التنفيذية، أم هيئة تشريعية ذات سلطة؟ وقد شارك الجميع في هذه المشاورات، وكان في مقدمتهم سمو الشيخ عيسى بن سلمان، وسمو الشيخ خليفة بن سلمان.. وقدمت على بساط البحث عدة اقتراحات وأساليب منها:

تشكيل لجنة متخصصة تضم خيرة الكفاءات الوطنية القانونية والدستورية والمثقفين لوضع المبادئ الأساسية للدستور، وصياغة مواده. ثم يصار فيما بعد إلى إيجاد تمثيل نيابي تشريعي، تطرح هذه الصيغة عليه للتصويت عليها وإقرارها.

إيجاد مشروع صياغة أولية للدستور وطرحه أمام فئات الشعب، ربما يشبه الاستفتاء العام الذي يشترك فيه أفراد الشعب، ليس بالتصويت فحسب بل بالمساهمة بإعداد واقتراح مواد هذا الدستور بصيغتها النهائية.

تقوم السلطة التنفيذية باقتراح مشروع للدستور، يطرح عبر وسائل الإعلام للتصويت المباشر من أفراد الشعب.

انتخاب مجلس استشاري يقوم بوضع صيغة مشروع للدستور، وتشكيل هذا المجلس من السياسيين والمفكرين البارزين وأصحاب الخبرة، في مختلف مؤسسات الدولة. ثم يطرح هذا المشروع على الرأي العام، لإقراره مؤسسيا وشعبيا.

لقد كنا اشرنا فيما سبق إلى ما مرت به البحرين من ظروف سياسية، كان لها تأثيرات اقتصادية واجتماعية حساسة على البحرين الدولة والشعب. ولذلك فقد كان ثمة إجماع لدى مختلف فئات وطوائف الشعب، على أن أهم مرتكزات المرحلة المقبلة، يجب أن تؤسس لإيجاد بنية إصلاح اجتماعي واقتصادي يقوم عليها الدستور، ويعمل على ترسيخها وصياغتها. وفي تلك المرحلة من تاريخ البحرين كانت هناك أنظمة عديدة تحكم المسار الاقتصادي العالمي، فثمة الشيوعية، الرأسمالية، واقتصاد السوق الحر، إلى غير ذلك، وكان الإجماع في البحرين على اعتماد اقتصاد السوق الحر ، غير أن تنفيذ هذا المبدأ بكافة متطلباته وقواعده كان أمرا مستحيلا بالنسبة لدولة نامية فتية، تعتمد في كل إنجازاتها ومشاريعها على الحكومة. ولما كان الاقتصاد الحر مبدأ عالميا اثبت جدواه، ونتائجه البناءة، لذلك فقد حاز على رضا وإعجاب سمو الشيخ خليفة الذي رأى فيه أسلوبا حضاريا طموحا، لإرساء قواعد دولة غنية، ذات اقتصاد قوي، غير أن ذلك لم يكن من السهل تطبيقه فثمة ظروف قاهرة حالت دونه منها:

غياب الرقابة على الأسعار، وعدم وجود آلية تحكم هذه الأسعار، والحاجة إلى قوانين لترسيخ هذه الرقابة.

الاعتماد على الدولة في إقامة مشاريع الخدمات التي تفيد تطور المجتمع ككل... ففي الوقت الذي كانت فيه البحرين بأمس الحاجة لمثل هذه المشاريع الخدماتية العامة كانت طبقة التجار والمستوردين تعمل على معارضة قيام الدولة بالدخول المباشر إلى السوق.ولذلك فقد وجد اقتراح الحكومة بإنشاء الشركة الوطنية للاستيراد والتصدير موقفا متصلبا من طبقة التجار وقطاع المال والأعمال في البحرين... غير ان هذا الموقف بدأ يتضاءل شيئا فشيئا أمام إصرار سمو الشيخ خليفة بن سلمان على إقناع أبناء هذا القطاع بفائدة الشركة للبحرين كدولة وكيان وشعب.

عدم وجود أنظمة للعمل والعمال، وقوانين للخدمة العامة، والضمان الاجتماعي... وفي نفس الوقت عدم التزام الشركات الأجنبية بتشغيل أعداد كافية من المواطنين، ونفوذ هذه الشركات الكبرى في مواجهة الحكومة الفتية.

وعموما.. فقد كانت كل هذه الخصوصيات والظروف مأخوذة بعين الاعتبار عند بدء التفكير بوضع أسس دستورية لصياغة مواد الدستور في البحرين.. وعلى هذا الأساس لجأت الدولة إلى الاستعانة بالخبير الدستوري لمجلس الأمة الكويتي الدكتور عثمان خليل عثمان، الذي كلف بان يكون مستشارا لهيئة مكونة من أربعة وزراء مهمتها إعداد مشروع أولي للدستور. على ان يكون هناك، مرحلة أخرى سيمر بها مشروع الدستور هي العرض على مجلس الوزراء، لمناقشته قبل إيصاله إلى المرحلة الثالثة، حيث سيعرض على المجلس التأسيسي الذي بدوره استمر في مناقشة المشروع ابتداءا من ديسمبر 1973 وحتى يونيو 1975 وحتى تكون هذه الخطوات شرعية، فقد تطلب ذلك إصدار مرسوم أميري يقضي بتشكيل مجلس لإعداد الدستور، ثم إصدار مرسوم أخر يعنى بأحكام انتخاب المجلس التأسيسي، الذي مثل أول مؤسسة تشريعية منتخبة في تاريخ البحرين.... وكان لذلك قصة جديرة بالتسجيل.

فبعد ان استقر رأي سمو الشيخ عيسى بن سلمان وسمو رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان على آلية إقرار الدستور، من خلال المشاورات التي أجراها سمو الشيخ خليفة بن سلمان وأدارها بحنكة ودراية، صدر المرسومان الأميريان السالف ذكرهما.. وبدأت الاستعدادات لتشكيل المجلس التأسيسي بالانتخاب المباشر.

وفي الأول من ديسمبر عام 1973 بوشر بعملية الانتخاب في أجواء منظمة وهادئة، وفق نظم دقيقة وإقبال شعبي عارم.... وكانت تلك الانتخابات هي البداية الحقيقية لمرحلة الديمقراطية الحرة، ومرحلة دور المجالس التشريعية، في المشاركة بالحكم من خلال سلطتها الدستورية والشعبية. ولقد شهد العالم كله من خلال مراقبيه ومراسلي وكالات الأنباء الذين توافدوا إلى البحرين لتسجيل هذا اليوم التاريخي من عمر هذه الدولة الفتية... شهدوا بديمقراطية الانتخابات وحيادية الدولة، وحرية التعبير التي سادت أجواء الانتخابات، التي أعدت وفق نظام قسم الدولة إلى ثمان مناطق انتخابية، أفرزت هذه المناطق بالتالي أعضاء شكلوا جسم المجلس التأسيسي في البحرين.

وبعد نجاح العملية الانتخابية تقرر عقد الدورة الأولى للمجلس، وافتتاحه في يوم السبت 16 ديسمبر عام 1973. وحتى يحين موعد انعقاد الدورة سنعرج وإياكم على حلم بحريني، كان يتشكل شيئا فشيئا، ألا وهو قوة دفاع البحرين. وقائدها سمو الشيخ حمد بن عيسى.


دولة المؤسسات

 

لقد ورثت الوزارة الجديدة، ما كان يعرف بمجلس الدولة، وهو المؤسسة التنفيذية الأولى في البلاد، وكانت ففد تشكلت في التاسع من يناير عام 1970، برئاسة سمو الشيخ خليفة بن سلمان، فيما كان سمو الشيخ حمد بن عيسى، عضوا، ورئيسا لدائرة الدفاع.

وفي تشكيل الحكومة - الوزارة، الجديدة انيطت مسؤولية وزارة الدفاع، بسمو الشيخ حمد بن عيسى، الذي جمع اليها القيادة العامة لقوة دفاع البحرين. ومن خلال هذين المنصبين، البالغي الأهمية، عمل سموه، على إكمال المسيرة التي كانت حلما يداعب خاطره، وأمنية مكرسة في وجدانه، وهي إهداء البحرين، جيشا من أبنائها، مدربا، وخبيرا، وقادرا على الدفاع عنها، والمشاركة في مسيرة بناء الدولة.

وعند تلاوة قصة قوة دفاع البحرين، ستطالعنا، أولا شخصية سمو الشيخ حمد بن عيسى، الذي حمل على كاهله مسؤولية بناء هذه القوة، غير عابئ بالصعاب، ومتحديا كل العراقيل التي كانت بريطانيا، تضعها في سبيله، إضافة لعراقيل أخرى، محلية، ولادارك ما كان يوجد في خواطر سمو الشيخ حمد وهو يباشر تأسيس قوة الدفاع، ينبغي ان نشير إلى ان سموه، لم يعتبر خصوصيته كولي للعهد، وابن لأمير البلاد...

كافية ليكون على رأس هذه القوة، بل اعد نفسه، إعدادا مكثفا، ليكون جنديا محترفا خبيرا، فالتحق بكلية القيادة والأركان في كنساس، والكلية الصناعية للقوات المسلحة في واشنطن، في نفس الوقت، وكان ذلك في 21 يونيو عام 1971.

وفي 31 مايو عام 1972، نال سموه الدبلوم الوطنية، في الإدارة العسكرية، ثم تخرج بدرجة الشرف، من كلية القيادة والأركان في 9 يونيو عام 1973، ليكون قائدا عسكريا محترفا، وجنديا ميدانيا، من جنود الوطن الذين نذروا أنفسهم من اجل البحرين.

وقد أراد سموه للقوة، دورا لا يتوقف فقط، في ميدان التدريب والرماية، والمهمات العسكرية المباشرة، بل أراد لها دورا وطنيا تنمويا، فكانت منذ إنشائها، شريكا دائما في الإنجازات التنموية، للوطن. وليكون نموذجا لجنده، ورفاق السلاح، الذين بدأوا معه الدرب، أو انضموا إلى قافلته الخيرة، التفت سموه، إلى واجبات عدة، إلى جانب واجباته العسكرية، فمن خلال اهتمامه بالتاريخ بشكل عام، وتاريخ المنطقة والبحرين، بشكل خاص، أمر سموه بجمع الوثائق المتعلقة بهذا التاريخ، من مختلف جهات الأرض، فكانت هذه نواة لمركز الوثائق التاريخية، الذي أمر سموه بتأسيسه عام 1978.

ولارتباط الجندية، بالجسم السليم والشباب، أبدى سموه اهتمامات واضحة بجيل الشباب، وعمل على إيجاد البرامج الراعية لهذا الجيل، ولمس سمو الشيخ

عيسى بن سلمان، هذا التوجه من ولي عهده، وفلذة كبده، فأكبر فيه هذه الروح، وعبر عن ذلك بالمرسوم الأميري الذي صدر عام 1975، بتأسيس المجلس الأعلى للشباب، وايلاء مهام رئاسة المجلس لسمو الشيخ حمد.

كما عمل سموه على إنشاء اسطبل الخيل الأميري، مبديا اهتماما شفيفا لتوثيق سلالات الخيول الأصيلة في البحرين، وايلاء الفروسية الاهتمام الذي تستحقه.أما فروسية الجو، فقد أولاها سموه رعاية واهتماما، عبر فيهما عن همة عالية جدا، إذ التحق بنفسه، وإبان كان في خضم مسؤولياته العديدة، بدورات الطيران، وتخرج منها في 14 يناير طيارا محترفا، ثم باشر سموه بعد ذلك، تأسيس سلاح الدفاع الجوي البحريني.

والى ذلك كله، رعى سمو الشيخ حمد بن عيسى الأفكار الأولية، والخطوات الأولى، لإنشاء مركز البحرين للدراسات والبحوث، وهو المركز الذي عبر عن إيمان سموه بالعلم، والبحث، والدراسة، إذ شغل سموه منصب رئيس المركز مشاركا في نشاطاته، وندواته، وموليا إياه رعاية خاصة.

لقد امن سموه، منذ طفولته، ان القوة العسكرية، لا تكمن فقط بتدريباتها القتالية، بل بما تحمله من علم ومعرفة، وثقافة، وتقنية، فعبر عن كل ذلك بهذه الإنجازات، والاهتمامات، التي ترافقت مسيرتها، جنبا إلى جنب مع مسيرة قوة دفاع البحرين، فالبحرين القوية، كما يراها سموه، هي البحرين المتعلمة، الباحثة، المفكرة، الشابة، المتطورة.

كان يوم السبت 16 ديسمبر عام 1973، اليوم الذي دخلت فيه البحرين فعليا ورسميا إلى مرحلة دولة المؤسسات التشريعية... ففي هذا اليوم كان افتتاح دورة المجلس التأسيسي الذي شرفه بحضوره سمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، وسمو رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، وسمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة "ولي العهد ووزير الدفاع آنذاك" وأصحاب السمو والسعادة الوزراء، والوجهاء، والأعيان، وضيوف من مختلف الدول الشقيقة والصديقة.

بدأ الحفل في الساعة العاشرة والنصف بتلاوة آيات كريمة من القرآن العظيم، ثم أعلن سمو الأمير الراحل افتتاح المجلس قائلا: "بأسمه تعالى وعلى بركة من لدنه، افتتح المجلس التأسيسي المنوط به إعداد دستور البلاد".

والحقيقة ان هذا المجلس كان رائدا في دوره، ولقد أدى واجبه المنوط به على أكمل وجه... وربما كان من المناسب بل من الواجب، ان نشير فيما يلي إلى بعض المداولات التي شهدها هذا المجلس لنسجل لأبناء البحرين الذين لم يعاصروا تلك المرحلة صورة عن تلك الآفاق الديمقراطية:

في بداية شهر يناير عام 1973 وأثناء مداولات المجلس في قضايا الدستور أثارت "الكتلة الدينية" في المجلس قضية خلافية هي تفسير كلمة "المواطنين" التي وردت في العديد من نصوص ومواد الدستور، وقد رأت الكتلة ان كلمة "المواطنين" يجب ان تحصر فقط بالذكور، دون الإناث، إذ لا يجوز للمرأة ان تشارك في الحياة العامة وان يكون لها دور في الانتخاب وغيره.وبعد مداولات كانت تشهد بين فترة وأخرى ارتفاع وتيرة النقاش، قدم عشرة من الأعضاء مذكرة لرئيس المجلس بهذا الصدد، قرأها أمين سر المجلس وجاء فيها: "يقرأ تفسير البند (هـ)من المادة الأولى من مشروع الدستور ينص البند (هـ)من المادة الأولى نفسها، والتي تنص: "للمواطنين حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتع بالحقوق السياسية بدءا بحق الانتخاب، وذلك وفقا لهذا الدستور، وللشروط والأوضاع التي يبينها القانون..." وهذا النص صريح وواضح ولا يحتمل أي تفسير خلافا لما قصده.
بحيث انه يستهدف جميع البحرينيين من غير تمييز ولا تفريق، ويخاطب البحرينيين فقط دون غيرهم من مواطني الدول الأخرى القاطنين في البحرين، ولا يتمتعون بجنسيتها. كما ان النص يذكر لفظ "المواطنين" ولم يحدد جنس المواطن كما حدث عندما صدر المرسوم بقانون رقم (13) لسنة 1972 بشأن أحكام الانتخاب للمجلس التأسيسي - البند (أ)من المادة الأولى الذي يذكر ان لكل بحريني من الذكور بلغ من العمر عشرين سنة ميلادية كاملة حق الانتخاب.

وبالرغم من هذا الوضوح وبالرغم من هذه الحيثيات التي أوردتها مذكرة الأعضاء العشرة، فقد احتاج مجلس الوزراء ان يتقدم من أعضاء المجلس في الجلسة السادسة المنعقدة بتاريخ 2 يناير 1973 بمذكرة تفسيرية لبعض أحكام الدستور كان منها البند (هـ)من المادة الأولى.

لقد بدا واضحا ان المجلس ينقسم من حيث آراء أعضائه واجتهاداتهم إلى فريقين:

الفريق الأول: ولا يزيد أعضاؤه عن ستة، كانوا يمثلون التيار الأصولي المتدين، ويقوده الشيخ عيسى قاسم، والملاحسن زين الدين.

الفريق الثاني: وكان هذا تيار الشباب الذين حاولوا ان يحافظوا على نصوص الدستور وتفسيراتها بعيدا عن أية اجتهادا طائفية أو أوصولية. وكان هذا التيار ممثلا في: علي الصالح، رسول الجشي، جاسم مراد، عبد العزيز الشملان، عبد العزيز الراشد، خليفة البنعلي، خليفة المناعي، علي سيار، قاسم فخرو.

وإذا ما وضعنا التيار الديني في أقصى اليمين فيمكن أن يكون موضع تيار الشباب "الليبرالي" في أقصى اليسار، والتالي فان موقع الحكومة ممثلة بوزرائها كان متوسطا بين الفريقين.

وتتابعت جلسات المجلس، حافلة بالكثير من الحوارات الوطنية، والطموحات التي وان تناقضت، أو اختلفت، ففي جو ديمقراطي، وفضاء من الحرية، يكفل للجميع فرصة المشاركة في وضع دستور البلاد. وكان سمو الشيخ عيسى بن سلمان، يراقب ما يجري، بعين وإحساس الكافل لهذه الحريات، والحارس لها، ويتابع ما يتداوله أعضاء المجلس، والحكومة، وأفراد الشعب، برعاية كبيرة، فيما كان سمو الشيخ خليفة بن سلمان، يشارك في هذه الحوارات، بخبرته، وعلمه، وقدراته الفذة على إدارة ألازمات.. وتوجيه فورانها، نحو خدمة البلاد، والشعب، حتى تم إنجاز الدستور، كركن أساسي من أركان الدولة.


اصدار وتنفيذ مركز الابداع العلمي - أسسه الباحث توفيق الحمد عام 1992 - البحرين