الصحة والتعليم... في عهد سموه
يمكن التعرف على منبع اهتمامات الشيخ سلمان بن حمد العميقة بالمسائل الصحية.عندما حاول وضع نظم جديدة لصيادي اللؤلؤ في البحرين، حيث تعرف الشيخ سلمان بن حمد عن كثب(كما لم يعرف من قبل)على الظروف السيئة المتردية التي عمل هؤولاء الغواصون ضمنها وعلى العديد من الأمراض التي تفترسهم بسبب الظروف التي يعيشونها إبان عمليات الغوص، ومن جراء الأخطار المرتبطة بصناعة اللؤلؤ عموما، وبعد ذلك صار له اهتمام خاص بأحوال صيادي اللؤلؤ وبذل جهودا كبيرة لتحسين معيشتهم.ولم يكن هذا الأمر مقبولا لدى الجميع، فقد كان هناك من يستفيد من بقاء النظام القديم.لكن الشيخ سلمان رمى بثقله ووظف هيبته من اجل الإصلاح وتحقق له ذلك.كجزء من الإصلاح بتخصيص احد أول المستوصفات بالتعامل مع الاحتياجات الخاصة بصيادي اللؤلؤ.
وأصبحت العناية الصحية إحدى الاولويات المقربة إلى قلب الشيخ سلمان.فقد كان يحرص على ان تنفق الدولة أموالا أكثر على تحسين صحة المواطنين، وقدم مختلف أشكال الدعم على ارفع المستويات للتأكد من تمويل مؤسسات الصحة بدرجة كافية.وكان معظم عمله في المجال مختفيا عن الأنظار ويندر ان نجد تصريحا علنيا من الحاكم حول أهدافه الاجتماعية والسياسية.ولحسن الحظ قدم بيانا صريحا وشخصيا حول ما يراه دورا للعناية الصحية في تطوير البحرين، ففي نوفمبر 1951م لخص الشيخ سلمان أسلوب العناية الصحية في البحرين ومبادئه في خطابه أمام المؤتمر الطبي السنوي الثالث لمنطقة الخليج قائلا: "نحن وحكومتنا ننظر إلى صحة أبناء شعبنا على انه أمر بالغ الحيوية، وننفق جزءا ضخما من مواردنا في كل عام على العمل الطبي، ونأمل ان تزوروا مستشفياتنا وعياداتنا.ولكن معظم نتائج العمل المنجز هناك لا تتضح في المستشفيات، بل لدى أبناء شعبنا في الشوارع والأسواق والمدارس، ولعل أهم ما قمنا به هو القضاء على الملاريا.وقبل بضعة أعوام كان يستحيل النوم في المنامة دون شبكة تقي من البعوض، الان تخلو المنامة ومعظم الأحياء القريبة منها من البعوض وانخفضت نسب الإصابات في الملاريا بمقدار كبير.وقد اتخذنا منذ وقت قريب تدابير فعالة جدا لخفض كميات الذباب الذي يسبب الأمراض.وقد ساهم عمل أطبائنا في المستشفيات والعيادات وأعمال مكافحة الملاريا والحجر الصحي وما نعلمه لأبنائنا في المدارس حول الصحة، وتحسين صحة عرب البحرين.وحيثما وجدت الصحة وجدت السعادة.ونحن نأمل ان رعاية صحة شعبنا تحافظ على سعادته".

وبالرغم من ان البحرين ضحت مؤقتا بأسرة مستشفاها من اجل احتياجات القوة الجوية الملكية والملكية البحرية (البريطانيتين)، فإن الاتصال المباشر بالأطباء المتقدمين وجهاز التمريض المتمرن، كان حافزا لتطوير الكفاءات المهنية في البحرين.وقد انضم إلى المستشفى طبيب من القوة الجوية ومعه أربع ممرضات متقدمات، وتعاملوا في الغالب مع الجرحى العسكريين، إلا انهم قدموا خدماتهم في الأجنحة الأخرى في المستشفى على شكل دوري، وقد عزز هذا الأهمية التي توليها البحرين لتوفير الرعاية إلى مواطنيها والفريدة من نوعها في منطقة الخليج.
كانت الصحة والتعليم في عهد الشيخ سلمان شيئا واحدا لا ينقسم:بدون تعليم يتأخر التطور الصحي.وإذا لم يكن هذا الربط الوثيق بين عوامل الرفاهية الاجتماعية متفردا، فإنه غريب وغير مألوف يقف وراءه فهم الحاكم لحاجات الشعب وقدرة المسؤول الطبي للحكومة على دفع البرنامج المتكامل إلى الأمام.وظل قطاعين الصحة والتعليم مرتبطين في أذهان الشعب، فقد تكرر على مسامع أبناء البحرين ان الطريق إلى صحة أحسن يمر عبر تعليم أحسن.وصار واضحا في الأربعينات ان مفتاح التطور في البحرين يأتي من خلال التعليم والقوى العاملة الأحسن تعليما.وأراد الشيخ سلمان ان يؤول اكبر عدد ممكن من الوظائف في صناعة النفط، أو التي أوجدها التوسع الاقتصادي، إلى أبناء البحرين.ولكن لكي يتحقق هذا يجب تثقيف شباب البحرين وتعليمهم ليضطلعوا بتلك المهام.

في يوم ما تحدث بلغريف، بشيء من الازدراء لفكرة دولة الرفاهية.وفي الواقع فإن هذا في الذات ما طمح الشيخ سلمان إلى تحقيقه، لكنه تحقق بعد مغادرة بلغريف في وقت طويل.وفي أخر سنة من حكم الشيخ سلمان، بعد ان عانى رحمه الله من أزمة قلبية حادة، ورد في مقدمة التقرير السنوي للمسئول الطبي للدولة:"ان أهم تغير عرفته إدارة الصحة على الإطلاق هو اللفتة الكريمة الصادرة من صاحب السمو حاكم البحرين الشيخ سلمان، إذ افتتح عهد الخدمات الصحية الوطنية دون مقابل في وقت مبكر من العام الحالي.وفي هذا سابقة لا يستطيع توفيرها سوى القليل جدا من دول العام اليوم.وهي تعبير عن حسن نوايا ستمثلها، كما هو مؤمل، هذه الخدمات العامة، خصوصا انها ليست مقصورة على حدود البحرين، بل تمتد إلى كل الزوار الذين يأتون إليها من اجل العلاج من كل أنحاء العالم".
ولا ضير هنا من التذكير ان السبب الذي جعل البحرين، لا الدول الأغنى في المنطقة، قادرة على اتخاذ خطوات عملاقة كهذه، هو ان حاكمها جمع بحذر موارد النفط في السنتين التي أعقبت 1945، رغم ما واجه من معرضة شديدة.
كان الدهاء واحدا واحدا من أهم الخصائص للشيخ سلمان، والخاصية الأخرى هي بعد النظر.فنظاما التعليم والصحة المسخران لخدمة أبناء الوطن لا يأتيان بسرعة وسهولة.والهدف الذي تحقق عام 1960م كان ماثلا في ذهنه منذ منتصف الأربعينات، أي من أولى سنين حكمه.ولم يكن يقحم نفسه ويفرض أرادته، بل يساعد اللذين اختارهم لإدارة أقسامهم وإداراتهم، وظل مستمعا وناصحا ومساعدا كلما دعت الحاجة إلى تدخله لحل أية مشكلة. |